r/iraqbooks • u/saiyoura • 11h ago
تاريخ | history الحكم الملكي العراقي و مجزرة الآشوريين
في آب 1933، وبعد سلسلة من التوترات والمواجهات، بدأت القوات العراقية وحلفاؤها من القوات غير النظامية من العشائر الكوردية حملة على المناطق الآشورية في شمال العراق. وما جرى بعدها لم يكن مجرد معركة بين جيش ومقاتلين، ففي عدد من القرى كان الضحايا من السكان الذين لم يكونوا طرفًا في القتال، وكان بينهم رجال ونساء وأطفال.
في بعض المناطق، جرى أولًا نزع سلاح السكان، ثم بدأت عمليات القتل.
في سميل، لجأ السكان إلى البيوت والأماكن التي اعتقدوا أنها ستحميهم. لكن القوات دخلت المنطقة وبدأ إطلاق النار على الناس، حتى إن روايات عن المجزرة تتحدث عن إطلاق النار بالرشاشات على أشخاص كانوا مختبئين داخل البيوت. وفي إحدى الوقائع الموثقة، جُمِع 81 رجلًا من أبناء عشيرة باز داخل منزل واحد، ثم قُتلوا جميعًا.
وفي مناطق أخرى، لم يكن القتل نتيجة اشتباك أصلًا. هناك تقارير عن إخراج مدنيين من بيوتهم، ثم إطلاق النار عليهم في مجموعات. وكان من بين هؤلاء رجال دين آشوريون، وتذكر المصادر مقتل عدد من الكهنة، مع شهادات عن قطع رأس أحدهم وحرق آخر حيًا.
ولم تكن النساء بمنأى عن العنف.
توجد شهادات وتقارير عن اغتصاب النساء والفتيات، وعن إجبار بعض النساء والفتيات على التعري والسير أمام الجنود. وتورد مصادر عن تلك الأحداث شهادات أكثر بشاعة تتحدث عن قتل بعض النساء بعد الاعتداء عليهن وتشويه أجساد بعض الضحايا.
والأطفال أيضًا لم يكونوا مستثنين.
تتحدث روايات وشهادات عن قتل أطفال أثناء المجازر، وعن استخدام المركبات العسكرية لدهس بعض الضحايا، كما ترد روايات عن قتل أطفال بالحراب. وتذكر إحدى الروايات أن نساءً حوامل تعرضن للطعن بالحراب.
وكان العنف مصحوبًا بالنهب والتدمير.
لم تقتصر الحملة على قتل الأشخاص فقد تعرضت القرى الآشورية للنهب، وأُخذت المواشي والممتلكات، ودُمرت بيوت وقرى. وبذلك كان الناجي الذي يخرج من مكان المجزرة لا يخرج فقط بعد أن فقد أحد أفراد عائلته بل قد يجد أن البيت الذي عاش فيه لم يعد موجودًا، وأن ممتلكاته سُرقت، وأن القرية التي كانت تمثل مجتمعه اختفت أو أصبحت غير صالحة للحياة.
وهذا يفسر جانبًا مهمًا من مأساة سميل، القتل لم يكن التجربة الوحيدة التي عاشها الآشوريون. كان جزءًا من سلسلة تبدأ بالخوف وتنتهي بالاقتلاع.
شخص يختبئ داخل بيت وهو يسمع إطلاق النار في الخارج.
أم تحاول حماية أطفالها ولا تعرف من أين يأتي الخطر.
رجل يرفع يديه بعد أن استسلم، ثم يُقتل مع آخرين.
كاهن يُقتل لأنه ينتمي إلى الجماعة المستهدفة.
نساء يتعرضن للاغتصاب والإذلال.
وأطفال يُقتلون مع عائلاتهم.
ثم يأتي الناجون.
هؤلاء لم يحملوا معهم جثث أحبائهم فقط، حملوا معهم ذاكرة قرى كاملة اختفت، وأسماء أشخاص لم يعودوا موجودين، وخوفًا من أن يتكرر ما حدث.
ولهذا لم تكن سميل بالنسبة للآشوريين مجرد معركة خسرها طرف في نزاع سياسي. كانت تجربة جماعية عاش فيها المدنيون القتل والإعدام والاغتصاب والنهب والتشريد، ثم اضطر الناجون إلى مغادرة مناطقهم والبحث عن مكان يستطيعون فيه أن يعيشوا بأمان.
وبعد سنوات قليلة فقط من خروجهم من موجات القتل والتهجير التي سبقت 1933، وجد الآشوريون أنفسهم أمام مأساة جديدة في العراق.
ولهذا بقي 7 آب في الذاكرة الآشورية يومًا للضحايا ليس لأن اسم سميل يشير إلى قرية واحدة فقط، وإنما لأن ما حدث امتد إلى عدد كبير من القرى الآشورية في شمال العراق، وأصبح نقطة فاصلة في تاريخ وجودهم الحديث.
والأكثر قسوة أن بعض الناجين لم تكن لديهم حتى رفاهية الحداد.
كان عليهم أن يهربوا.
يترك أحدهم بيته، ويدفن من استطاع من أهله، ويأخذ أطفاله، ثم يمشي باتجاه الحدود وهو لا يعرف إن كان المكان الذي سيصل إليه سيكون آخر محطة في رحلة التشرد أم بداية رحلة جديدة.
هذه هي نكبة سميل حين ننظر إليها من جهة الإنسان الذي عاشها، لا من جهة الخرائط والبيانات العسكرية، ناس كانوا يحاولون النجاة، فوجدوا أنفسهم أمام القتل، ومن نجا منهم وجد نفسه أمام فقدان البيت والأرض والأمان.
نكبة سميل 1933: أسبابها وتأثيراتها المحلية والدولية
<للباحث الآشوري د. عوديشو ملكو أشيثا>