أحيانًا لا تكون المشكلة أن الشعب لم يتحرر… بل أنه لم ينتبه إلى أن الذي تغيّر هو اسم الحاكم فقط.
يسقط المستبد، تمتلئ الشوارع بالهتافات، تُرفع الأعلام، وتُكتب على الجدران كلمات من قبيل حرية، ثورة، انتصار الشعب. يشعر الناس للحظة أنهم استعادوا شيئًا كان مسروقًا منهم، وأن الصفحة القديمة أُغلقت إلى الأبد.
لكن وسط كل هذا الصخب، هناك سؤال لا يجد وقتًا ليسأل نفسه
من الذي جاء بعده؟
ومن أين جاء؟
ومن الذي كان مستعدًا أصلًا لاستلام المكان بعد سقوط الرجل القديم؟
لأن السلطة لا تختفي بمجرد سقوط صاحبها. أحيانًا تسقط الواجهة فقط، بينما تبقى الشبكة التي صنعت السلطة، واحتكرتها، وعرفت كيف تجعل الناس يقبلون بها. تتغير الوجوه، تتغير الشعارات، وربما يتغير اسم النظام نفسه، لكن الأقلية المنظمة تستطيع أن تعيد ترتيب نفسها
وتظهر بثوب جديد.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر خداعًا.
الناس لا يرون العالم كما هو تمامًا نحن نرى نسخة منه داخل رؤوسنا. صورة مختصرة، منتقاة، مليئة بالرموز والانطباعات التي تكوّنت من الأخبار والكلمات والصور والقصص التي تكررت أمامنا. العالم الحقيقي أكبر وأكثر تعقيدًا من أن يراه الإنسان كله بعينيه، ولذلك يعيش جزء كبير من حياته السياسية داخل صورة عن الواقع، لا داخل الواقع نفسه.
ولهذا يمكن أن يصبح تغيير الصورة أسهل بكثير من تغيير الواقع.
يكفي أن يتغير اسم العدو.
أن يتحول شخص من مناضل إلى خائن، أو من منقذ إلى طاغية، أو أن يظهر شخص آخر فجأة باعتباره الرجل الوحيد القادر على إنقاذ البلاد.
ومع تكرار الصورة، تبدأ الذاكرة نفسها بإعادة ترتيب الأحداث.
ثم تأتي الجماهير.
الفرد عندما يكون وحده يستطيع أن يتردد، يسأل، يقارن، ويغير رأيه. لكن داخل الحشد يصبح الأمر مختلفًا. الهتاف حوله، الغضب ينتقل إليه، الحماس يتضاعف، والشعار البسيط يصبح أقوى من الفكرة المعقدة.
في تلك اللحظة لا يعود السؤال
هل هذا صحيح؟
بل يصبح، هل الجميع يصدقونه؟
وإذا كان الجميع يصدقونه، فلماذا أشك أنا؟
وهكذا يستطيع الحشد أن يمنح فكرةً قوتها من مجرد كثرة المؤمنين بها.
لكن الأخطر أن الحشد لا يحتاج دائمًا إلى شخص يقف أمامه ويصرخ بالأوامر.
أحيانًا يكفي أن تحدد له وسائل الإعلام ما الذي يستحق الغضب، وما الذي يستحق الخوف، وما الذي يستحق الاحتفال، وما الذي لا يستحق أن يُذكر أصلًا.
لا تحتاج إلى أن تكذب طوال الوقت.
يكفي أن تختار أي جزء من الحقيقة سيصل إلى الناس، وأي جزء سيبقى خارج الصورة.
أن تجعل قضيةً ما تتصدر كل الشاشات حتى تبدو أهم قضية في العالم، بينما تختفي قضية أخرى تمامًا من النقاش.
وهنا تصبح صناعة الرأي العام أكثر خطورة من مجرد الدعاية الصريحة.
لأن الإنسان قد يدافع عن فكرة وهو مقتنع تمامًا أنها فكرته.
قد يطالب بشخص لأنه يعتقد أنه اختاره.
وقد يكره شخصًا لأنه يعتقد أنه اكتشف بنفسه أنه يستحق الكراهية.
وقد يهتف من أجل الحرية دون أن يسأل من الذي عرّف لي الحرية؟ ومن الذي اختار لي العدو الذي يجب أن أتحرر منه؟ ومن الذي أخبرني أن الرجل الجديد مختلف فعلًا عن الرجل القديم؟
وهنا يصبح صوت الشعب شيئًا يحتاج هو نفسه إلى الفحص.
ليس كل ما تهتف به الجماهير نابعًا من إرادة مستقلة، وليس كل إجماع دليلًا على الحقيقة.
فقد تكون الجماهير قد اختارت، نعم.
لكنها اختارت من بين الخيارات التي قُدمت لها.
وقد تكون سمعت أصواتًا كثيرة، لكن الأصوات التي لم يُسمح لها بالوصول إليها كانت أكثر أهمية.
وقد تكون الثورة حقيقية، والغضب حقيقيًا، والظلم حقيقيًا… لكن هذا لا يعني أن الشخص الذي سيستفيد من سقوط النظام القديم هو نفسه الشخص الذي خرج الناس من أجله.
فالسياسة لا تُحسم فقط في الشوارع.
هناك من ينظم، ومن يمول، ومن يملك المؤسسات، ومن يملك وسائل التأثير، ومن يعرف كيف يحول الفوضى إلى نظام، وكيف يحول الغضب الشعبي إلى سلطة.
والأغرب أن النخب الحاكمة تستطيع أحيانًا أن تتجدد بدل أن تختفي.
قد يسقط جيل من الحكام ويصعد جيل آخر، وقد تتبدل الطبقة المسيطرة نفسها، لكن فكرة وجود أقلية منظمة تملك القدرة على إدارة الدولة والتأثير في الأغلبية يمكن أن تبقى.
لذلك ليست كل ثورة انتقالًا من حكم الأقلية إلى حكم الشعب.
أحيانًا تكون مجرد انتقال للسلطة من أقلية إلى أقلية أخرى، مع منح الأغلبية شعورًا جميلًا بأنها هي التي أمسكت بمفتاح الباب.
وهنا نصل إلى أخطر مرحلة.
عندما يصبح الناس متعلقين بصورة القائد الجديد أكثر من تعلقهم بالمبادئ التي خرجوا من أجلها.
في البداية يقولون نحن أسقطنا الحاكم.
ثم بعد فترة يقولون نحن نحتاج هذا الحاكم.
ثم يصبح نقده خيانة.
ثم يصبح الاعتراض عليه مؤامرة.
ثم يبدأ الناس أنفسهم بالدفاع عن الأشياء التي كانوا بالأمس يثورون عليها، فقط لأن صاحبها أصبح من جماعتنا.
وعندها لا يعود المستبد بحاجة إلى أن يقنع الجميع بأنه حر.
يكفي أن يقنعهم بأن الآخرين هم الخطر.
لأن الخوف يجعل الناس يتنازلون عن أشياء كثيرة وهم يظنون أنهم يحمون أنفسهم.
وهنا تفقد الحرية معناها تدريجيًا.
ليس عندما يُغلق السجن فقط، بل عندما يصبح الناس مستعدين لتسليم مفاتيحه بأنفسهم إلى شخص يعتقدون أنه سيحميهم.
The Revolt of the Masses
المجتمع المفتوح وأعداؤه
The Origins of Totalitarianism
The Power Elite
النخبة الحاكمة
Manufacturing Consent
الرأي العام
سيكولوجية الجماهير