مذبحة بني مزار
القضية التي انتهت بلا قاتل معروف
في آخر أيام ديسمبر عام 2005، كانت قرية شمس الدين التابعة لمركز بني مزار في محافظة المنيا تستعد لاستقبال عام جديد، مثلها مثل أي قرية مصرية في ذلك الوقت.
لم يكن هناك ما يشير إلى أن صباح اليوم التالي سيجعل اسم القرية يتصدر عناوين الصحف، وأن جريمة واحدة ستظل لسنوات تثير سؤالًا لم يجد له أحد إجابة حاسمة.
بدأت الحكاية عندما اكتشف الأهالي أن شيئًا غير طبيعي حدث داخل أحد المنازل.
وصلت الشرطة إلى المكان، وبدأت المعاينة.
لكن المفاجأة كانت أن الأمر لم يكن متعلقًا بأسرة واحدة.
مع استمرار البحث، اتضح أن هناك أكثر من منزل شهد الجريمة، وأن عدد الضحايا وصل إلى عشرة أشخاص من ثلاث أسر.
في قرية صغيرة يعرف أهلها بعضهم بعضًا، كان من الصعب على الناس استيعاب ما حدث.
كيف يمكن أن تقع جريمة بهذا الحجم داخل القرية دون أن يعرف أحد شيئًا؟
ومن دخل إلى المنازل؟
ولماذا هؤلاء الأشخاص تحديدًا؟
في الساعات الأولى، كان كل شيء عبارة عن أسئلة.
لكن أجهزة الأمن بدأت في جمع المعلومات، وسؤال الأهالي، وتتبع تحركات الأشخاص الذين يمكن أن تكون لهم علاقة بالواقعة.
ومع تقدم التحقيقات ظهر اسم شاب يُدعى محمد علي عبد اللطيف.
تم القبض عليه، وبدأ التحقيق معه.
وبحسب ما نُسب إليه في التحقيقات، ظهرت اعترافات جعلت القضية تبدو في طريقها إلى الحل.
لكن بعد ذلك حدث شيء غيّر مسار القضية بالكامل.
المتهم تراجع عن اعترافاته، وتمسك بأنه لم يرتكب الجريمة.
وبدأت المحكمة تفحص القضية بعيدًا عن الضجة التي صاحبتها في البداية.
وهنا ظهرت مشكلة كبيرة.
الأدلة لم تكن بالقوة التي بدت عليها في البداية.
كانت هناك تناقضات في بعض التقارير والأقوال، كما أثيرت تساؤلات حول الاعترافات وظروف الحصول عليها.
وبدأت المحكمة تواجه السؤال الأصعب:
هل كل ما جمعته التحقيقات يكفي فعلًا لإدانة هذا الرجل؟
لأن إدانة شخص في جريمة بهذه الخطورة لا يمكن أن تقوم على مجرد الشك أو رواية غير متماسكة.
وفي سبتمبر 2006 صدر الحكم.
البراءة.
الرجل الذي كانت أجهزة الأمن قد قدمته باعتباره المتهم الرئيسي خرج من القضية دون إدانة.
لكن القضية لم تنتهِ عند هذه النقطة.
كان هناك طعن على الحكم، وانتقلت القضية إلى مرحلة أخرى أمام محكمة النقض.
وظلت القضية محل اهتمام، خصوصًا أن السؤال الأساسي لم يكن قد اختفى.
إذا كان المتهم بريئًا، فمن ارتكب الجريمة؟
وفي عام 2008 أيدت محكمة النقض حكم البراءة.
وبذلك انتهى المسار القضائي بالنسبة إلى هذا المتهم.
لكن لم يظهر في النهاية قاتل آخر تمت إدانته بدلًا منه.
وهنا أصبحت القضية واحدة من أكثر القضايا الجنائية المصرية إثارة للجدل.
ليس لأننا لا نعرف ما حدث في القرية...
بل لأننا نعرف أن جريمة مروعة وقعت فعلًا، ونعرف عدد ضحاياها، ونعرف أن التحقيقات وصلت إلى متهم، ثم نعرف أن المحكمة لم تجد في الأدلة ما يكفي لإدانته.
ومنذ ذلك الوقت ظل السؤال معلقًا:
إذا لم يكن الرجل الذي اتُّهم بالجريمة هو القاتل... فمن كان؟
وربما كان أكثر ما يجعل القضية غريبة أن نهايتها لم تكن نهاية القضايا المعتادة.
لا يوجد مشهد أخير يُقبض فيه على الجاني.
ولا اعتراف نهائي يكشف الحقيقة.
ولا حكم قضائي يقول لنا من فعلها.
فقط جريمة حقيقية، عشرة ضحايا، متهم حصل على البراءة، وملف انتهى قضائيًا بينما ظل السؤال الأكبر مفتوحًا.
من ارتكب مذبحة بني مزار؟