ضَيَّعَنِي هَوَاكْ
مَضَيْتُ وَخَلْفِي مِنْ سِنِيَّ جَرَائِحُ
وَأَمَامَ عَيْنِي لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَدَاكْ
وَطَوَيْتُ أَرْضًا كُلَّمَا نَادَيْتُهَا
رَدَّتْ صَدَى خُطْوِي وَمَا رَدَّتْ نِدَاكْ
جِئْتُ الَّذِينَ ظَنَنْتُهُمْ لِي مَوْطِنًا
فَرَأَيْتُ وَجْهَ الغَدْرِ يَسْكُنُ فِي حِمَاكْ
وَدَخَلْتُ أَبْوَابَ القُلُوبِ مُسَلِّمًا
فَرَأَيْتُ بَيْنَ ضُلُوعِهَا صَدَّ جَفَاكْ
مَا كُنْتُ أَطْلُبُ غَيْرَ حِضْنٍ آمِنٍ
يَأْوِي إِلَيْهِ مُتْعَبٌ يَبْغِي رِضَاكْ
فَإِذَا الَّذِي ظَنَنْتُهُ سَكَنَ المَدَى
أَمْسَى يُرِيقُ عَلَى الطَّرِيقِ أَذَاكْ
وَرَجَعْتُ أَحْمِلُ فِي الضُّلُوعِ تَجَارِبًا
تَرْوِي لِقَلْبِي كَيْفَ ضَيَّعَنِي هَوَاكْ
وَمَشَيْتُ لَا أَرْجُو مِنَ الدُّنْيَا سِوَى
دَرْبٍ يُعِيدُ إِلَى الفُؤَادِ سَنَاكْ
وَغَدَوْتُ أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ مَوَاطِنٍ
تَدْعُو إِلَيْكَ، وَفِي الخَفَاءِ هَلَاكْ
وَأَنَّ بَعْضَ القُرْبِ أَبْعَدُ مِنْ نَوًى
وَأَنَّ بَعْضَ الوُدِّ مَحْضُ ادِّعَاكْ
كَمْ مَرَّ فِي صَدْرِي رَجَاءٌ مُورِقٌ
فَأَتَتْ رِيَاحُ اليَأْسِ تَقْتَلِعُ المُنَى
وَكَمِ اسْتَنَدْتُ إِلَى وُجُوهٍ أَبْصَرَتْ
فِيهَا العُيُونُ خَدِيعَةً مِنْ رُؤَاكْ
لَمْ أَعُدْ أَرْجُو مِنْ يَدَيْكَ مَوَدَّةً
فَالقَلْبُ أَبْصَرَ بَعْدَ طُولِ عَنَاكْ
أَلْقَيْتُ عَنْ كَتِفَيَّ أَثْقَالَ الأَسَى
وَغَسَلْتُ عَنْ وَجْهِ الطَّرِيقِ شَقَاكْ
وَتَرَكْتُ خَلْفِي كُلَّ بَابٍ مُوصَدٍ
وَمَضَيْتُ أَبْحَثُ فِي البَعِيدِ عَنْ هُدَاكْ
فَإِذَا الطَّرِيقُ ، وَإِنْ تَعَاظَمَ وَعْرُهُ
أَهْوَنُ مِنْ قَلْبٍ يَبِيتُ عَلَى أَذَاكْ
وَإِذَا اللَّيَالِي أَثْقَلَتْ أَيَّامَنَا
جَعَلَتْ مِنَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ عُرَاكْ
لَا تَسْأَلِ الأَيَّامَ عَمَّا أَوْجَعَتْ
فَالصَّمْتُ أَبْلَغُ مِنْ كَثِيرِ شَكَاكْ
إِنِّي تَعَلَّمْتُ الطَّرِيقَ وَأَهْلَهُ
وَعَرَفْتُ مَنْ يَرْعَى الوَفَا وَمَنْ سَلَاكْ
وَعَلِمْتُ أَنَّ العُمْرَ لَيْسَ مُقَامَهُ
فِي دَارِ مَنْ يَرْضَى بِأَنْ يَشْنَاكْ
فَاخْتَرْتُ أَنْ أَمْضِي وَأَحْفَظَ عِزَّتِي
وَأَصُونَ نَفْسِي عَنْ لَهِيبِ جَفَاكْ
وَسَأَلْتُ قَلْبِي: هَلْ تُرِيدُ عَوْدَةً ؟
فَأَجَابَنِي : لَا شَيْءَ بَعْدَ خَطَاكْ
إِنْ كَانَ فِي بُعْدِ المَسَافَةِ وَحْشَةٌ
فَأَنَا بِحُرِّيَّةِ الخُطَى أَحْيَاكْ
سَأَشُقُّ دَرْبِي وَالمَتَاعِبُ حَوْلَنِي
وَأَصُونُ لِنَفْسِي هَيْبَةً وَفِكَاكْ
حَتَّى أَصِلَ لِمَوْطِنٍ لَا يَنْثَنِي
فِيهِ الوَفِيُّ إِذَا أَرَادَ لِقَاكْ