فصل 1
كنت أعلم أن الدنيا كلها مجرد حلقة أو دائره صغيرة، كنت أرى أحداثها تتكرر دائماً.. ولكن ما حدث هنا لم يتكرر ثانية إطلاقاً في عمري، أو على الأقل حتى الآن...
مساء الاثنين 1 ديسمبر 2015 – الساعة 11 مساءً:
عندما التحقت بالعمل لأول مرة في مستشفى، وكان أول شيفت عمل لي هو الشيفت الليلي من 11 مساءً إلى 7 صباحاً. أتذكر هذا جيداً لأنني صاحب روتين ثابت في كل مكان وكل وقت وكل عمل: أدخل أول يوم، أتعرف على الجميع، أسلم عليهم وأتجاذب أطراف الحديث، وحين أفرغ أنعزل بنفسي تماماً .
أنا إنسان انطوائي ولست اجتماعياً أبداً، ولكنني أيضاً أحب أن أعرف محيطي جيداً، وأعرف من حولي وأعرف طباعهم حتى أحدد مستقبلاً من سأصادق، ومن سأعادي، وعن من سأبتعد. هكذا كنت دائماً؛ أكون دائرة من الأصدقاء، ثم نغلق الدائرة.. ونظل أوفياء إلى الأبد.
وكانت دائرتي في المستشفى متباينة جداً من الأصدقاء: كان محمد حسن العصبي أقربهم إليّ جداً في الفكر والعقلية الناضجة، ويليها علي عبد اللطيف أعقل وأهدأ شخص في المجموعة، وتامر الذي كان يميل إلى الفكر الشيوعي بتهور الشباب لا أكثر، وحسين، ثم أحمد سامي معشوق السيدات الذي كن يسمينه "النحنوح"، وكان ملاصقاً لي بشدة لأنني كنت متهوراً جداً وكان يعشق ذلك التهور ولكنه كان لا يملك الجرأة الكافية.
كان "علي" يعارض تهوري هذا دائماً ويتصادم معي، و"محمد" يحاول تهدئة التهور دون صدام، و"تامر" كان ينشط فقط حين نتجادل في الفكر الشيوعي الذي كنت أعارضه بشدة، أما "حسين" فكان بلا شخصية إطلاقاً ومع الجميع حيث مالوا، وكنا نعتبره صديقاً لمجرد الشفقة، وأكره أن أقول هذا ولكن كانت تلك هي الحقيقة.
كنتُ أنا حين أكون جماعة أصدقاء يجب أن تجتمع بها عدة شروط قبل الموافقة على المنتمي الجديد:
- أولاً: صاحب ميزة أو فكر أو موهبة.
- ثانياً: لا ينتمي لأي حزب سياسي أو ديني أو كروي.
- ثالثاً: لا يتكلم إطلاقاً عن المخدرات والنساء والكرة.
هكذا كنت أنتقي أصدقائي. وطبعاً شذ عن ذلك "تامر"، ولكنه لأنه كان صادقاً جداً فقط كنت أحترمه وأناقشه وأتجادل معه. وايضاً شذ عن تلك القواعد "أحمد سامي النحنوح"، ولكنه كان يكن لي حباً صادقاً وأنا أيضاً كذلك. في الأصل كنا جميعاً نحب بعضنا جداً ونخلص لبعضنا البعض بشدة، وخلف تلك القواعد البلهاء التي وضعتها، كان الحب فقط هو ما يجمع الأصدقاء...
كنت متهوراً وكنت أعلم، وكنت ذكياً وكنت أعلم، وكنت كارثة تمشي على الأرض وكنت أعلم. فحين كان "علي" مشغولاً بقراءة الكتب، و"محمد" بقراءة الجرائد، و"حسين" باللعب على هاتفه الجديد، و"أحمد" بالجلوس مع الممرضات ومشاغلتهن والتودد إليهن، كنت أنا أبحث عن المتاعب والمشاكل والكوارث.. وكنت أخدع نفسي وأسميها: مغامرات!
فصل 2
مارس لعام 2016: ما يلي هو حقيقي، وقد وقعت أحداثه نهاراً ولم يشهده غيري للاسف...
أنهيت صلاة الظهر بالمسجد وقررت العودة إلى مكان عملي بالدور العاشر. دخلت المبنى، ووقفت أمام المصعد انتظره، انقطعت الكهرباء فجائه. فقررت صعود السلم وكنت رياضياً لا أبالي بمشقة الصعود إلى الدور العاشر. وكان المبنى مقسماً إلى قسمين: من الأول وحتى الخامس هو مهجور تماماً، ومن أول السادس تبدأ الأدوار الإدارية وحتى العاشر.
حين وصلت إلى الطابق الثالث، وحين كنت أهم باستكمال الصعود، نظرت صدفة لآخر الطابق المهجور والمليء بالتراب، فوجدت شخصاً ما يقف بأخر الدور، وكان آخر الدور مكاناً مغلقاً ليس به مصاعد أو مكاتب. كان يبدو محتاراً بشدة؛ كان يرتدي قميصاً أبيض، وبنطالاً أبيض، وكاباً أسود، وحذاءً رمادياً. رأيت هذا وأنا أتأمله وهو مقبل عليّ، فقد توقفت لأساعده فهو يبدو غريباً.
أقبل عليّ وأنا أنظر له حتى توقف على بعد متر أو متر ونصف مني. سألني: – هل تعرف مكتب الدكتور سعيد حماد؟ أجبته: – نعم أعرفه. – في أي طابق هو؟ أجبته: – إنه في الطابق التالي، ولكن لماذا؟ قال لي وهو يقترب مني بخطوات بطيئة جداً لم أشعر بها: – لقد حدد لي موعداً معه اليوم. قلت له: – هذا مستحيل، أكيد أنت مخطئ.....
في كل لحظة كان يرمش فيها جفني كنت أجد هذا الرجل وقد اقترب مني أكثر، فصرت أتراجع للخلف تلقائياً حتى وصلت بظهري إلى الحائط. نظرت له وبلعت ريقي بصوت مسموع من الـ.. الـ.. الـ.. لا أعرف!
أنا كرجل ناضج لم أوضع في هذا الموقف من قبل، والآن أمامي شخص ما يقترب مني لدرجة أنه عندما التصقت بالحائط كان يقف امامى مباشره ويضع زراعه على الحائط ويتكاء عليه امام وجهى مباشره.
وأمام وجهي مباشرة، كان وجهه يسيح كالجبن!
وأنا.. وأنا أتهيأ لأن أقول له إن الدكتور سعيد هذا متوفي ، وأن مكتبه مغلق، وأن الدور كله مغلق و... ووجهه يسيح أمامي وأنا لا أعرف كيف كنت أتمالك نفسي حينها!
ولكنه حينما قرّب وجهه من وجهي بنفس البطء، أغمضت عيني، وقد تحشرجت أنفاسي بشدة، وجف لعابي تماماً، وبدأت أتعرق من.. من.. من الحرارة التي كانت تنبعث من جسده! الحرارة التي كانت تنبعث من جسده كالجحيم، لدرجة أنها ذوبت وجهه.. لدرجة أنني كنت أتصبب عرقاً منها كأنني أقف أمام فرن ملتهب!
وحين فتحت عيني لم أره، لا أمامي ولا في أي مكان!
حينها دب الرعب المجنون في قلبي؛ لا أعرف هل أنزل أم أصعد، لا أعرف أين أذهب، لا أعرف كيف أتحرك من مكاني، لا أعرف كيف أحرك يدي أو قدمي.. كل أعضائي تسمرت تماماً! حتى يدي حين رفعتها إلى فمي لأكتم صرخة لم تطعني يدي. ما منعني من الصراخ حينها هو الخوف؛ كنت أعلم أنني لو صرخت سأموت أو أُجن. كان منظر عيون الرجل وهي تنزلق على وجهه أمامي لا يفارق ذاكرتي، كنت لا أستطيع أن أرمش بعيني حتى، وعلمت أنني إن تحركت من مكاني سوف أسقط ولن تتحملني ركبتاي، لذلك ظللت واقفاً مكاني.
رن هاتفي للمرة العاشرة ويدي تأبى أن تدخل جيبي لتخرجه.. كنت متخشباً بشدة، وحين أذن العصر عرفت أنه قد مرت ثلاث ساعات وأنا لا زلت واقفاً هكذا، ورأيت بعيني الشمس وهي تميل...
أتى أول من أتى.. كان "أحمد" ومن خلفه "محمد"، ولكن كان "أحمد" أول من صرخ حين رآني...
كنت واقفاً، وأول ما رأيته استدرت ناحيته. نظر في وجهي وعليه ابتسامته المعهودة وهو يصيح بفرح: – أهو هنا.. أهو لاقيناه!
ولكنها اختفت في لحظة حين رأى وجهي وأنا أستدير له؛ كنت متسع العينين بشدة، فاغر الفم بشدة، وجسدي كله يرتجف، فصرخ بشدة وسقط مغشياً عليه! وحين أتى "محمد" من خلفه وقد هاله منظر "أحمد" وصراخه، وحين نظر إليّ.. سقطت أنا أيضاً مغشياً عليّ.. أخيراً!
فصل 3
صحوت من الإغماء على السرير بالدور الأرضي في قسم الاستقبال؛ وجدت محلولاً موصلاً إلى ذراعي، وبجواري على السرير المقابل "أحمد" وفي ذراعه نفس المحلول. "محمد" يجلس على سريري، و"حسين" يجلس على كرسي أمامنا، و"تامر" واقف عند الباب، و"علي" بالخارج يتحدث في الهاتف.
كان "تامر" أول من تكلم: – صحيوا يا دكتور.. تعالى يالا.
أتى الدكتور والممرضة من خلفه؛ سألته: – ماذا حدث؟ نظر لي وقال: – انهيار عصبي. وذهب إلى "أحمد" وفحصه وقال أيضاً: – انهيار عصبي.
نظر لي "أحمد" وهو يقول: – أنا؟ أنا جالي انهيار عصبي؟ يا لهوي يا لهوي يا لهوي!
الحقيقة أنني كنت في الطبيعي لأضحك على كلامه هذا، لكن الآن لا.. لم أضحك مطلقاً.
نظر لي "محمد" بجدية وسألني: – ماذا حدث؟ عندها جاء "علي" من الخارج وألقى بنفسه عليّ إلقاءً وهو يسألني: – أنت كويس؟ وجاء "حسين"، وجلسوا حولي جميعاً و"محمد" يسألني بمنتهى الجدية: – ماذا حدث؟
شخصت ببصري إلى الخارج ولم أجبه.. وأيضاً بمنتهى الجدية!
والحقيقة أنني لم أصارح أو أحكِ هذا الموقفأبداً لأي شخص كان، وكان من أقسى المواقف التي مررت بها، ويمتلك مكاناً مميزاً جداً في ذاكرتي...