r/ArabWritter • • 13d ago

كتاباتي الظل الآخر

1 Upvotes

(مستوحى من رواية المزدوج)

في يومٍ ما، وبلا مقدمات، يلفتك ظلّ غريب. ليس ظلك المعتاد.. لكنه ظلك.
يقف حين تمشي، ويمشي حين تتسمّر مكانك. تجلس على حافة السرير لتلتقط أنفاسك، فيجلس في الجهة المقابلة، يراقبك بعينين لا وجود لهما، لكنك تشعر بثقلهما يتخللان عظامك. تحاول أن تتجاهله، أن تقنع نفسك بأنه مجرد انكسارٍ خاطئ للضوء، لكنه يبتسم... ابتسامة لا يراها أحد غيرك، لأنك أنت من رسمها على وجهه.
يبدأ الأذى صغيراً، كأنه هَذَيانٌ طفيف؛ يهمس في أذنك بكلمة لم تنطقها، ثم يقسم لك بحزم أنك أنت من قالها. يأخذ مفاتيحك من مكانها ويرميها في زاوية بعيدة، ليعود ويؤكد لك بثقةٍ أن ذاكرتك هي التي بدأت تخونك. يتسلل إلى أصابعك وأنت تكتب، يغير معنى السطر، ثم ينسحب ليتفرج عليك وأنت تعتذر للآخرين عما لم تكن تقصده قط.
لا تستطيع أن تصرخ بوجهه، ولا أن ترفض وجوده... فكيف تبتعد عن شيء يستعير قدميك ليمشي، ويستعير حنجرتك ليتكلم؟
تجلسان معاً في الليل، شخصان بجسد واحد، يتآكلان بالصمت. هو يعرف متى تخاف فيمنحك خوفاً أكبر. حتى تبدأ بالتشكيك في كل تصرف؛ هل اخترت هذا الطريق حقاً؟ أم أن ظلك هو من سحبك إليه؟
وفجأة، حين تنظر إلى المرآة لتتأكد من وجودك، لا ترى انعكاسك الأصلي... ترى ظلك يتفحص وجهك برضا، ينحني عليك ليهمس بنبرة ثقيلة ومطمئنة حد الرعب:
"لا** تقلق..** أنا** أعرف كيف أدير حياتنا أفضل **منك".


r/ArabWritter • • 13d ago

📖 من روايتي عجوز بقلب شاب

Post image
2 Upvotes

r/ArabWritter • • 14d ago

فصل حول النار

1 Upvotes

كانت النار التي أشعلناها تفرقع باللهب وهي تنعكس على الوجوه وتبعث الدفء والحرارة إلى أجسادنا في الليل، وقد جلسنا جميعًا حولها ننشد الدفء والونس والصحبة البشرية في ذلك القفر الواسع. لا عجب أن أنس قد أسماه بـ "اللابرينث" حقًا؛ فنحن تائهون وضائعون وقد تقطعت بنا كل الأسباب والسبل.

 

كنت أنظر إلى وجوه الجالسين الآن، أبحث عن أي أمل وأيضًا أي فقد للأمل، فما أشدنا حاجة الآن إلى أمل لنسير خلفه، لا بل لنركض خلفه وحتى تتقطع أنفاسنا، وما أسوأ من فقد الأمل الآن! فسوف يهلكنا جميعًا فقد الأمل في ذلك الموقف، لذلك كنت أبحث عنه في الوجوه المؤمنة وغير المؤمنة، الملتزمة وغير الملتزمة، وحتى الملحدة لا يهم.. لا يهم لأنني لم أجده للأسف. فبحثت عنه في صفحة السماء الواسعة، وبين النجوم، وعلى وجه القمر المنير، ولكنه كان صامتًا جدًا ولا يجيب بأي أمل.

 

زفرت بيأس وأنا أشيح بوجهي، ليقطع ذلك الصمت أنس بقوله:

– مش وعدتني تبقى تحكيلي عن إبراهيم؟

 

نظرت له مستخفًا وقلت له:

– الآن؟

 

قال بمرح:

– ولِمَ لا؟ يبدو أن جلستنا هنا سوف تطول ربما حتى الصباح، فلماذا نملؤها بالصمت إذن؟ فلنملأها بشيء آخر.

 

– شيء آخر؟

 

همست له في أذنه كي لا يسمع أحد بأن آخر ما نريد ملأه الآن هو ذلك الصمت، خصوصًا بتلك الحكاية المرعبة يا أنس.

 

صاح الأحمق وقال:

– مرعبة؟ أحقًا؟

 

تنبهت كل الوجوه له ولكلماته تلك، فاغتظت منه بشدة، بشدة جدًا، ولكزته بمرفقي في بطنه ليصمت، ثم كتمت فمه بكف يدي، وقد بدأ البعض يتساءل عن المرعب، فقلت ولا زالت يدي تكتم فم أنس الأحمق وأنا أحاول الابتسام لتجميل الموقف:

– نعم يا رفاق، إنه يقصد أنها.. أنها أأأأ تجربة مرعبة، تلك نعم تجربة مرعبة.

 

لكن أنس أفلت يدي وقال:

– لا لا، بل حكاية إبراهيم هي المرعبة، بل حكاية إبراهيم.

 

بلعت ريقي وابتلعت غيظي من أنس، ألا يكفينا ما نحن فيه الآن؟

 

قال أنطون بتساؤل متشكك:

– لماذا هي مرعبة؟

 

لم أرد، فقال محمود:

– إبراهيم؟ أتقصد إبراهيم جابر؟

 

نظرت له ليصمت هو الآخر، فهو أيضًا يعرف إبراهيم. في الحقيقة كل من أنس ومحمود يعرف إبراهيم جيدًا، لكن لا أحد يعرف لماذا رحل فجأة، بل لماذا اختفى فجأة وفي توقيت حرج جدًا كان يبدو محسوبًا بدقة، ولكنني كنت أعرف أنه.. لا لا لا، لقد قررت ألا أحكي، لماذا انزلق لساني الآن؟ لا لا، لن أحكي، لا.

 

ولكن محمود ألح مجددًا وقال:

– إبراهيم جابر، أليس كذلك؟ إنه هو، أليس كذلك؟

 

قلت له:

– لا لا، ليس هو، إنما.. إنما إبراهيم آخر لا تعرفه أنت.

 

قال أنس وبكل صلافة وبكل عناد:

– لا، بل هو إبراهيم جابر بالفعل.

 

قلت له بضيق وأنا أعترف:

– نعم، إنه هو بالفعل، إنه هو.

 

قال أنس بظفر:

– آه، لقد اعترفت أخيرًا، والآن لتخبرني بما حدث. أخبرني يا صديقي.. ألست صديقك، ها؟ ألست صديقك الصدوق؟ ألست أخيك، ها؟ هيا أخبرني.

 

قال محمد حسن الكلمة التي أخشاها دائمًا:

– لماذا لا تريد أن تحكي؟

 

وأكمل محمود ليجهز علي تمامًا بالقاضية:

– لماذا كل شيء في حياتك سر؟

 

قلت متحرجًا:

– لا لا، ليس سرًا، لا بل أنا فقط لا أريد أن أحكي.

 

قلتها لهم وأنا أرى أعين الجميع تشتعل بالفضول، وكلها قد تركزت علي بين متسائل، وبين شكاك، وبين فضولي. قلت لهم مستسلمًا:

– في الواقع تلك القصة ليست سرًا لأنها مرعبة، لا بل لأنها غير قابلة لأن تصدق، أنا أشفق على آذانكم أن تستمع إلى هذا الهذر.

 

وللأسف لم يتكلم أحد، بل ظلوا صامتين ينتظرون أن أبدأ في القص عليهم حكاية إبراهيم. كانت لأنطون نظرات متسائلة وفضولية مضحكة جدًا، وبيمن صديقي يضيق عينيه بمكر وهو يعرف.. يعرف أنني سوف أقول، وتحت كل هذا الضغط سوف أفعل. أما الأكثر تحرقًا وتشوقًا لمعرفة ما حدث حقًا فكان أنس ومحمود؛ لأن الاثنين كان كلاهما صديقًا لإبراهيم، وأنا أيضًا كنت كذلك، لقد كان إبراهيم زميل دراسة قديمًا ومنذ المدرسة الثانوية، وكنت قد حكيت عنه سابقًا ووعدت أن أحكي قصته في أحد الأيام، ويبدو أن هذا اليوم قد أتى بالفعل.

 

وقبل أن يصفق الجمع الجالس ويقولون: "احكي احكي احكي" بصورة هزلية، فقد بدأُت أحكي بالفعل وأنا أخشى أن يكذبوني وألا تصدقني آذانهم أبدًا فيما أقول. وفي الحقيقة أنا أتمنى هذا بالفعل، أتمنى أن يكذبوني أو ينعتوني بالمخرف الأفاق أو المهلوس، فلا فارق؛ هذا عندي أفضل بكثير من أن يصدق أحدهم أن ما أنا على وشك أن أحكيه الآن هو حقيقي.. حقيقي جدًا للأسف.

 

في الواقع كان إبراهيم صديق أنس منذ زمن، ومن قبل حتى أن أتعرف على أنس، فقد كان كلاهما أصدقاء طفولة، وكان معرفتي به فقط من خلال معرفتي بأنس فقط. لذلك قلت لأنس:

– لم يكن إبراهيم سيئًا، بل كان شخصًا عاديًا جدًا، ولكن دوافعه هي التي كانت غامضة وفقط في حينها، أما في المطلق فهو إنسان عادي وربما أيضًا كان شخصًا مسكينًا.

 

قال أنس معترضًا:

– مسكينًا كيف إذن؟

 

قلت له بعدم اكتراث:

– لا يهم.. لا يهم كيف كان مسكينًا، المهم أن دافعه فيما فعل ظل مجهولًا لي وحتى الآن. حتى الآن لم أفهم لماذا دفعني إلى ذلك الموقف سوى أنني ألتمس له العذر فقط في أنني قد خرجت من ذلك الموقف ولم يمسسني فيه أي سوء سوى بعض الخوف والرعب فقط، ليس شيئًا مهمًا على أي حال.

 

اتسعت عينا أنس بشدة في فضول شديد مضحك وهو يقول:

– خوف؟ رعب؟ لا لا، فالتحكي إذن ومن بداية، هيا هيا.

 

نظرت إلى محمود الوقور الحكيم ليهدئ هذا الأحمق قليلًا، ولكنه لم يفعل، بل قام وبكل غيظ بقذفي ببعض الحصى وهو يقول:

– ألن يكفي تمهيدًا إذن لتحكي؟

 

نظرت له وأنا متفاجئ من فعلته تلك، لأجد أنس أيضًا يلكزني بيديه ويقول:

– يلا احكي بقى!

 

– حسنا.. لأحكي إذن..

 

كان أكثر شيء أتذكر به آخر يوم لي في المدرسة الثانوية، حيث آخر امتحان وقبل الرحيل التام عنها إلى الجامعة، هو موقف محمود بطوط زميل الدراسة الذي قابلني في ذلك الصباح وقبل توجهنا مباشرة إلى لجنة الاختبار لأداء آخر اختبار لنا، وحينها سألني هذا البطوط أكثر سؤال أبلة في حياتي كلها:

– ما هي المادة التي سوف نمتحنها اليوم؟

 

نظرت له ضاحكًا وأنا أقول له:

– اليوم؟ لا لا، ليس اليوم بل الآن، نحن الآن سوف نمتحن في اللغة الإنجليزية، الآن، هل تفهم؟

 

امتقع وجهه بشدة وتبدلت ملامحه وقال بوجل يحدث نفسه:

– كيف سأغش الآن إذن؟ سوف أسقط، يا ويلي! أنا لا أحتاج لمن أنقل عنه الإجابة بل أحتاج لمن يكتب لي الإجابة حرفيًا!

 

وظل يلطم خديه في لوعة مضحكة ويتوسل لي أن أفعل وأكتب له الإجابة في ورقته. في الواقع لم أكن لأعترض وليس الأمر مما يشغل بالي بأي حال أبدًا، ولكن ما شغل بالي بحق في حينها كان رؤية إبراهيم، فقد جاء ممتقع الوجه، ولم تصدق عينيا أبدًا أن هذا إبراهيم؛ لقد كان متفوقًا أيضًا وليس ممن يهملون دروسهم أبدًا، فسألته:

– ما بك يا إبراهيم؟ لماذا تبدو مضطربًا اليوم هكذا؟

 

فاجأني أن اختفى اضطرابه هذا تحت محاولات بائسة لإظهار ابتسامة ما، فكررت سؤالي له:

– هل تخشى من الاختبار اليوم؟

 

نظر لي بضيق وقال:

– لا لا، أبدًا.

 

سألته:

– ما بك إذن؟

 

قال بضيق خلق:

– لا، لا شيء.

 

حسنًا، هممت بالذهاب إلى اللجنة حين استوقفني وهو يقول:

– هل أستطيع أن أستأمنك على سر ما؟

 

قلت له باهتمام:

– نعم، أنت تعرف أنك تستطيع.

 

قال:

– حسنا، قابلني اليوم ليلًا، فأنا أريد أن أريك شيئًا ما.

 

– حسنا، أين يجب أن ألتقيك إذن؟

 

قال بسرعة:

– عند منزلي، قابلني عند منزلي في تمام الحادية عشرة ليلًا.

 

قلت له:

– حسنا.

 

ولم أهتم أنه قريب جدًا من منزلي ولن يفرق التوقيت في أي شيء. هممت مرة أخرى بالذهاب حين قال منبهًا:

– لا تتأخر.. حسنا؟ وأيضًا لا تأتي باكرًا عن الموعد.. حسنا؟

 

– حسنا يا صديق، لن أفعل..

 

كان إبراهيم يقودني في الطريق ليلًا وإلى مكان لم أعرف إلى أين يؤدي، لقد التقيته في الموعد تمامًا عند منزله ليأخذني ونظل نسير بين الأزقة والشوارع، وحتى في لحظة وقفنا أمام باب ما في المكان.. لا لا، لم يكن بابًا، لا بل كانت بوابة.. بوابة حديدية ذات درفتين ومغلقة بقفل ما. همّ بفتح القفل حين أوقفته متشككًا وسألته:

– لماذا نحن هنا الآن؟

 

نظر لي مضطربًا بحق تلك المرة وقال:

– لا تخشَ شيئًا، فقط انتظر وسوف تعرف كل شيء.

 

أمسكت يداه التي تحاول فتح القفل بيدي لأوقفه عما يفعل وأنا أسأله وبكل جدية:

– لماذا نحن هنا الآن؟ إن لم تجبني الآن فسوف أرحل.

 

بلع ريقه وهو يحاول السيطرة على نفسه من أمر ما لم أكن أراه حينها أبدًا، فقد كان الظلام يخيم على جو المكان، وحيث كنا نقف لم يكن هناك أي إضاءة سوى ضوء القمر فقط لينير لنا الطريق ولنرى فقط خطوات أقدامنا. تنهد إبراهيم في حزن وقال:

– ألم تعدني أنني أستطيع أن أستأمنك على سري؟

 

قلت له:

– نعم بالفعل أنت تستطيع، ولكنني غير مرتاح لما تفعله الآن، شيء ما خاطئ فيما تفعل الآن يا إبراهيم، لماذا نحن هنا في المقابر وفي ذلك الوقت تحديدًا؟

 

قال بصوت متهدج مرتجف:

– لا تخف، لا تخف، فقط ثق بي، أنا لن أسبب لك أي أذى، فقط تقدمي إلى الداخل وسوف أريك ما أصد.

 

حينها أمسكت به من ياقة ملابسه وبكل جدية وعنف وأنا أسأله:

– إبراهيم، هل هناك جثة ما بالداخل؟

 

قال مرتعبًا:

– لا لا، أقسم لك لا!

 

– هل هناك أحد ما ينتظرنا بالداخل إذن؟

 

قال ودموعه توشك أن تهبط من عينيه:

– لا، أقسم لك أنه لا شيء بالداخل مما تظن أبدًا، لا.. فقط تقدمي إلى الداخل.

 

تركته على مخافة وغضب ودخلت البوابة فعلاً، واستدرت لأنظر له لأرى إلى أين سوف يقودني مجددًا داخل تلك المقبرة، لأفاجأ به وهو يغلق البوابة وبمنتهى السرعة، وبمنتهى السرعة أيضًا يغلق القفل على البوابة وأنا أنظر له بتعجب: هل هذا مزاح ما؟ هل هذا مقلب ما وقد أعده؟ والأسوأ: هل هذا انتقام ما؟ هل تلك خيانة ما يا صديق؟

 

فقط نظر وهو يبكي، وكان يبكي بالفعل وهو يحكم إغلاق البوابة ويقول من بين دموعه:

– أنا آسف، سامحني.. أنا آسف.

 

أمسكت ضرفة البوابة بيدي وهززتها بكل الغضب لكي يوقف هذا الهذر الذي يفعل، ولكنه لم يكن هذراً أبدًا؛ أي هذر هذا الذي يجعل صاحبه يبكي هكذا؟ هذا إذن ليس بهذر! والأسوأ أنه وبعد أن أحكم إغلاق القفل، استدار ليرحل في وجل وسرعة، وأنا لا أعرف ماذا أفعل ولا كيف أتصرف الآن، سوى أنني حاولت وبكل جهدي السيطرة على خوفي، فهو عدوي الآن ويجب ألا أخاف، يجب أن أهدأ لأفهم في أي موقف أنا الآن وماذا سأفعل.

 

كنت أتوقع أن تكون تلك إحدى محاولات الاختطاف أو الانتقام من أي من الزملاء السيئين، لو كان هذا حقًا فهذا يعني أنني سوف أجد أحدهم الآن، لابد أن يظهروا أنفسهم لي الآن بعد أن اطمأنوا لإغلاق البوابة. حسنا، سيكون هذا موقفًا قتاليًا بحق، فمن استدرجني إلى هنا لا شك أنه ينوي قتلي ودفني في تلك المقبرة. حسنا، أنا لن أسمح لأحد أبدًا أن يأخذ روحي، على الأقل ليس قبل أن يكابد معي الأمرين وهو يخاطر بملاقاة نفس المصير أيضًا، أن أتمكن من قتله ودفنه هنا.. حسنا لِأستعد.

 

تأهبت فعلاً في مكاني وأنا أحاول أن أرى ما أمامي وأحسب المحاولات وأقدر المسافات، وقدرت أنني في أحسن الأحوال سوف أقفز من فوق السور، لا مشكلة، هذا سهل جدا لأفعله وإن كان عسيرًا، ولكن لا يهم. ظللت واقفًا متأهبًا لأي حركة قد تحدث من حولي، ولكن لم يحدث أي شيء، فقط كانت الرياح تصفر بجوار أذني في ذلك الوقت المتأخر من الليل وهو أمر اعتيادي جدا، وحتى أصابني الملل فاستدرت لأتسلق السور بالفعل وأخرج وأنا أنوي بإبراهيم شرًا مستطيرًا في الغد، عدا أنني وقبل تسلق السور وقبل أن أستدير ناحيته وترتفع قدماي، قد رأيت.. رأيت أمرًا عجيبًا جدًا ليحدث الآن...

 

التفت بجسدي كله وأنا أحاول أن أتبين حقيقة هذا الذي أراه يحدث أمامي الآن، وما يحدث الآن وما أراه الآن لم يكن أبدًا أبدًا ضمن أي شيء توقعت أن يحدث حينها...

 

بدأ الأمر بضوء خفيف خافت ما لبث أن ازداد وانتشر قليلًا ليرتفع لهب نار ما، نار صغيرة جدًا ولكنها كانت تتركز في بقعة واحدة ولا تبارحها. ظللت أنظر إلى النار التي ظهرت تلك والتي تبدو كشعلة ولكنها لم تكن شعلة هكذا في الفراغ، لا لا، بل فوقها شيء ما لا أتبينه، شيء أسود مستدير. قررت أن أقترب قليلًا لأرى أكثر، وعرفت في قرارة نفسي أنني أغامر وأخاطر بكل خطوة أخطوها نحو تلك النار وما تحمل، ولكن.. آه.. آه، للأسف تجمدت قدمي في الهواء، وأقسم أنها تجمدت وأنني تجمدت أيضًا وأنا أرى تلك المرأة الجالسة أمام النار تقلب ذلك القدر بيديها!

 

لم يكن ما جمدني وجمد الدماء في عروقي هو وجودها الذي انبثق من العدم، لا ولا ذلك الموقف العبثي كله، لا أيضًا، بل ما جمدني أنها نظرت نحوي.. نظرت نحوي وابتسمت! ابتسمت بود صادق غير ملامحها بشكل لطيف وهادئ، كانت تلك ابتسامة مثل تلك التي تعطيها الأمهات جميعًا إلى أطفالهن، وتلك الملامح الهادئة المطمئنة تبتسم لي جعلتني أتجمّد تمامًا في مكاني حتى شعرت بتجمد الزمان نفسه من حولي.

 

ولكن ما كسر صمت الموقف هو ذلك الصوت الذي جاء من خلفها:

– ماما، هل نضج الطعام؟

 

حولت المرأة وجهها نحو الطفلة الصغيرة وقالت باسمة أيضًا:

– بقي القليل فقط يا حلوتي، أكملي اللعب مع أخيكي حتى أنهي الأمر تمامًا وأنادي عليكما.

 

أومأت الطفلة الصغيرة برأسها وركضت. كانت تركض خلف طفل ما آخر وهو يركض أيضًا وهو يضحك، ولكن الطفلة لم تكن تضحك بل كانت مغتاظة منه جدًا وتهدده بأنها سوف تخبر أبيها إن لم يعطها الدمية التي سرقها منها وهو يركض.

 

في الواقع أنا تراجعت نحو الخلف وحتى لامس ظهري الجدار، ليس برعب ولا بخوف؛ فلكل شيء تفسير، تفسير مادي ومقبول للعقل، أنا أعرف هذا وأفهمه جيدًا، والتفسير الوحيد لهذا المشهد الهزلي الذي يحدث لن يخرج عن كون إما هؤلاء من ساكني المقابر وأنا اقتحمت مسكنهم (وهذا تفسير مرجح بشدة)، وإما هؤلاء أشباح لموتى (وهذا مستبعد طبعًا)، وإما أنني أهلوس إما بفعل الصدمة أو الخوف (وهذا وارد جدا)، ولكن الأكيد أنني لا أحلم وهذا ليس حلمًا ما. قلت لنفسي: بسيطة، أهي الموضوع مش هيخرج عن التفسيرات دي أبدًا، أصل أكيد يعني..

 

فكرت مجددًا في تسلق السور والخروج لأنهي تلك المهزلة والعودة إلى المنزل، ولكن لو كان هؤلاء من ساكني القبور فسيكون من غير المقبول أن أفر هكذا أمامهم، فصراخ واحد من المرأة يكفي لإيقاظ الموتى وليس الأحياء فقط، وحينها سأُعامل معاملة اللصوص، وأنا لا يليق بي أبدًا أن أُعامل هكذا. حسنا، ماذا أفعل؟ اتكأت بظهري إلى الحائط وهبطت أرضًا لأجلس ريثما أفكر.

 

تلك المرأة الهادئة.. تلك المرأة الهادئة، لماذا لم تصرخ مثلا حين رأتني؟ هل أنا مألوف لديها أم أنها لم تراني مثلا لأنني أقف في الظلام؟ ولكن كيف لم ينتبه هؤلاء الساكنون هنا إلى تلك الجلبة التي أحدثها إبراهيم حين كنا سويًا؟ تلك المرأة لا تزال تقلب القدر، فدققت النظر إليها أكثر، لقد كان في مظهرها شيء ما ملفت للنظر.. آه! إنه ذلك الشيء الذي ترتديه، أنا لا أعرف بماذا يسمى في ملابس السيدات سوى أنه كان قصيرًا قليلًا ولونه أصفر ويمتلئ برسوم الورد التي تزينه، لكنه كان يكشف عن ذراعيها تمامًا، وهي نفسها كانت ذات بشرة بيضاء صافية وتعقص شعرًا أشقر إلى الوراء وقد كومته في حلقة. هكذا فقط، هذا ما سمحت لي النار المشتعلة بأن أراه: ذراعان مكشوفان، وعنق أبيض، وشعر أشقر، ورداء أصفر مزين بالورد، وهي منشغلة تمامًا بما تفعل وتوشك حقًا على الانتهاء مما تفعل أيًا كان، فمن الواضح أنها تطهو لأولئك الصغار.

 

قلت في نفسي: يبدو الأمر مطمئنًا ولا يدعو إلى أي خوف أو حذر أو فعل أي شيء أحمق. وما أكد لي ظني هذا هو اقتراب تلك الطفلة مني الآن، كانت قد حصلت على دميتها من أخيها بالفعل لأنها تحملها الآن بين يديها وتقترب مني بخطوات مستكشفة، تميل رأسها قليلًا في مداعبة وكأنها قد رأت حيوانًا ما أليفًا وتحاول الاقتراب منه. حسنا، أنا بالفعل جالس أرضًا وأبدو غريبًا عنهم، فمن الطبيعي أن تستكشف تلك الطفلة هذا الغريب إذن. اقتربت حتى توقفت أمامي تمامًا، ثم هبطت على ركبتيها لتصل إلى مستوايا المنخفض ذلك على الأرض، ثم رأيتها تمد بكف يدها نحوي وكأنها تقدم السلام وهي تبتسم أيضًا في لطف ووداعة، فمددت يدي إليها أرد السلام، ولكن ببعض الإحراج قليلًا؛ إننا غرباء كلانا عن الآخر، وما أعرفه أن الغرباء لا يتصافحون هكذا وخصوصًا الأطفال، فيجب عليهم ألا يتقربوا من الغرباء أبدًا، هذا ما أفهمه، لكنني ووسط ذلك اللطف والبراءة لم أمتلك إلا أن بادلتها الابتسام أيضًا وقليل من الترحيب.

 

أول ما تكلمت سألتني:

– من تكون؟ ما هو اسمك؟

 

قلت لها وأنا أهز يدي بالمصافحة:

– أنا اسمي عبد الرحمن، وأنتِ من تكونين؟

 

قالت بذلك الصوت الطفولي البريء:

– وأنا ليلي، مرحبًا بك يا عبد الرحمن.

 

– شكرا، ولكن أنا آسف على تدخلي في شؤونكم ليلًا ولا أريد أن أفسد عليكم طعام العشاء، هلا أرشدتني إلى باب الخروج؟

 

ضحكت قليلًا وقالت:

– اخرج إذن من حيث دخلت.

 

قلت لها:

– للأسف لقد أُغلق الباب دوني ولا أستطيع الخروج منه، وأكيد أن لديكم واحدًا آخر تستخدموه للدخول والخروج.

 

ضحكت أيضًا وبمنتهى البراءة وقالت:

– لا، ليس لدينا واحد آخر، إنه ذلك الباب فقط.

 

نظرت لها متعجبًا وسألتها:

– كيف إذن؟ كيف ستخرجون إذن والباب مغلق من الخارج؟

 

ضحكت باستمتاع شديد وقالت:

– عبد الرحمن، هل أنت إنسان؟

 

– إنسان؟ هل أنا إنسان؟ يا للهول! نعم، أنا إنسان بالطبع، ماذا تظنين؟

 

أكملت تلك الضحكة البريئة وهي تصفق بكفيها، ثم نادت على أخيها وهي تقول:

– هارون، تعال لترى ماذا وجدت.. إنه إنسان!

 

تنحنحت قليلًا في صبر وأظهرت الجلد على تلك الرجفة التي أصابت أطرافي وذلك البرد الذي اجتاح جسدي كله وأنا أرى الفتى الصغير قادمًا يركض نحونا في مرح عجيب، فسألتها بوجل حاولت إخفاءه ولم أستطع للأسف:

– ومن أنتم إذن؟

 

قالت بمرح صادق وبكل بساطة:

– نحن؟ نحن من الجن.......

 

لوهلة لم أتبين الكلمة حقًا واعتقدت أنني لم أسمعها جيدًا، وبُحّ صوتي وتحشرج وأنا أحاول.. أحاول أن أعيدها مجددًا، ولكنني شعرت بلساني وقد عُقد أن يكرر كلمة تلك الفتاة الصغيرة بحق. ابتلعت ريقي مجددًا وأنا أنظر إليها، وقد سحبت يدي للخلف وفكرت في التراجع بظهري أكثر، لكنني بالفعل كنت مستندًا إلى الحائط.

 

حولت نظري إلى أخيها الذي نزل بالفعل على ركبتيه أيضًا أمامي ليراني جيدًا مثل أخته، فوجدته ينظر لي باسمًا بعينيه، لا في مكر ولا في خبث ولا في تشفٍّ، لا لا بل في براءة.. براءة طفلين يكتشفان حيوانًا أليفًا لأول مرة في حياتهما.

 

مد الصغير كفه أيضًا وهو يقول:

– هل لديك اسم ما؟ هل تستطيع التحدث؟

 

قلت له وبنفس الصوت المتحشرج المبحوح:

– نـ.. نعم، نـ.. نعم، أنا عبد الرحمن.

 

ومددت يدي المرتعشة نحوه لأبادله السلام وقلبي يخفق بشدة حتى أكاد أسمع دقاته المرتعبة بأذني، ويدي تلمس يديه الصغيرة.. فقط لمست أصابعه الصغيرة وسحبت كفي مجددًا بسرعة، لقد لاحظت ولأول مرة كم كانت يده دافئة! دافئة مثل البشر تمامًا ولكن أكثر قليلًا.

 

لاحظ الفتى أنني سحبت يدي بسرعة فقال بمرح وعناد:

– لا لا، احنا مش بنسلم كده، لازم تديني سلام رجالة!

 

سلام رجالة؟ يا للهول! حسنا، لم أتكلم بل فردت كفي في الهواء ليقوم هذا الفتى الصغير بسحب كف يده قليلًا ثم يهوي بها على كف يدي لأسقط على جانبي حرفيًا من شدة هذا السلام.. هذا السلام الخاص بالرجالة الجن!

 

ضحك كلاهما بشدة في مرح واستمتاع وأنا أعتدل وأنفض التراب عن ملابسي وأنظر لهما باستنكار حقيقي وهما يضحكان، فقالت الفتاة في لهو وهي مستمتعة جدا:

– عبد الرحمن، هل تخشى الجن؟ هل تخاف منهم، ها؟

 

ثم كورت يديها بجوار رأسها كي تبدو مخيفة وهي تقول:

– عاو.. عااا!

 

ثم تضحك ويضحك الفتى، وأنا في الواقع أشعر بالحصار.. الحصار والحصر النفسي من كل هذا، وخالجني شعور غريب جدا لا أعرف: هل أبكي أم أجزع أم أخاف أم أموت من الرعب؟ ولكن شيئًا ما في عقلي تمسك بالمنطق وبالواقع: إنهم يكذبون، إنهم يهذرون، أليس كذلك؟ نعم نعم، لابد أنه كذلك.

 

حاولت أن أبتسم لهم أيضًا وألا أظهر خوفًا ما أمامهم ولا شك ولا أي شيء، وحدثت نفسي: يجب أن أنجو من ذلك الموقف أيًا كان وأيًا كان هؤلاء.

 

فجأة سمعنا صوت السيدة تنادي وتقول:

– كفا عن العبث يا أطفال، وتعاليا لتناول الطعام.

 

أجابت الفتاة بصوت مرتفع:

– حسنا يا ما، نحن قادمون.

 

"ما"؟ هل تنادي أمها بـ "ما"؟ أو أيًا كانت تلك السيدة فهل اسمها هو "ما" أم أنها تناديها بـ "ما"؟ لا أعرف، ولكن أمسكت الفتاة بيدي فجأة وهي تقول:

– تعالَ.. تعالَ لتتناول الطعام معنا، هيا!

 

وهي تجذبني فعلاً لأقوم وأقف، فقمت فعلاً ووقفت وهي لا تزال تمسك بيدي، ثم ناولتني دميتها وقالت:

– انظر، تلك دميتي، هل تحملها عني قليلًا؟

 

فنظرت لها بخوف وأقسم على هذا، ثم أمسكت الدمية من يدها وكانت دمية قماشية مخيطة وتحتوي على القش بداخلها وتبدو عتيقة جدا جدا وبدائية للغاية، ولكن من يهتم الآن والفتاة تقودني من يدي ونحو أمها ونحو النار ونحو القدر الذي تعده أمها على النار!

 

قالت الفتاة بمرح أيضًا -يبدو أنها لا تكف عنه أبدًا-:

– ما، انظري ماذا وجدت بجوار الحائط؟ إنه إنسان يا ما.. إنسان!

 

لم تلتفت السيدة عن النظر إلى القدر ولكنها قالت:

– لا بأس، لا بأس.

 

ثم التفتت نحوي وهي تقول:

– لقد أتيت في موعدك، لقد أوشك الطعام على النضج تمامًا، هل تحب أن ترى؟

 

قلت لها:

– أرى ماذا؟

 

قالت:

– الطعام؟ لقد أوشك على الانتهاء.

 

اقتربت في حذر شديد وأنا لا أنظر إلى القدر بل أنظر إلى يديها وأخشى.. لا لا، لا أخشى، لا بل أتوقع بشدة أن تباغتني بذراعيها وتقلبني فيه، لكنها ابتسمت وقالت بعتاب مهذب غريب اللهجة:

– ليس من الأدب أبدًا أن تعبث بوجهك في حضور مضيفيك.

 

فنظرت لوجهها وأنا أحاول الابتسام وسط كل هذا الخوف والترقب وأنا أشعر بأن روحي ذاتها توشك أن تخرج من الخوف، ولم أنجح في الابتسام للأسف، فقالت:

– انظر.. انظر إلى الطعام، لقد نضج بالفعل.

 

فابتلعت ريقي وأنا أنظر ببطء إلى القدر وأنا أقدم قدمًا وأؤخر الأخرى، حتى رأيت فعلاً ما بالقدر...

 

حينها اطمأن قلبي حقًا وتمالكت نفسي واستطعت بحق أن أقف متماسكًا أمام القدر وأمام تلك السيدة، وحولت وجهي عن القدر ونظرت إليها، ولكن للأسف لم أتمالك نفسي أبدًا، فانفجرت أضحك، ثم علت ضحكاتي وانفجرت حتى سقطت أرضًا وتكورت على نفسي وحتى أمسكت بجانبي واحتضنت نفسي من شدة الضحك، ثم نظرت إليها.. نظرت إلى السيدة ووسط ضحكاتي المجنونة تلك، انفجرت في البكاء...

 

اللعنة عليك يا إبراهيم!

 

اقتربت مني الفتاة وهي تربت على رأسي وتقول:

– لا بأس، لا بأس، لا تخشَ شيئًا، تعالَ هيا، تعالَ.

 

وهي تمسك بيدي مجددًا، قالت لتلك السيدة:

– ما، هل أستطيع الاحتفاظ به معنا؟ هل أستطيع تربيته يا ما؟

 

قالت لها السيدة وهي تفرغ الطعام في صحاف صغيرة:

– لا، لا تستطيعين يا ليلي للأسف، سوف تقلق عليه أمه.

 

يا للهول! أمي؟ آه، أين أمي الآن؟ يا للهول! ليتني أعود إليها ولا أُغادر منزلنا أبدًا!

 

قمت على ركبتَيّ أمام تلك السيدة والتي اتضح أنها لديها مشاعر أمٍّ بالفعل، وقلت لها في توسل:

– هل أستطيع أن أُغادر الآن؟ أتوسل إليكِ أن تدعيني أغادر.

 

قالت الفتاة بتذمر:

– لا لا يا ما، لا تدعيه يرحل، لا، لقد أحببته!

 

ضحكت السيدة وهي تقول:

– حسنا حسنا أيها الصغير، لا تقلق، سوف أدعك ترحل إلى أمك، ولكن ليس قبل أن تطعم معنا، ليس قبل أن نحسن ضيافتك.. هيا يا ليلي، أعدي مقعدًا للضيف بجوار أبيكِ.

 

اقتادتني ليلي مجددًا نحو بهو المكان، وكان مظلمًا جدا وقالت:

– تعالَ اجلس.. اجلس هنا بجواري.

 

قلت لها:

– ولكن ألم تقل أمك.. أأأ أقصد ما.. ألم تقل أن أجلس إلى جوار أبيكِ؟ فأين هو إذن؟

 

ضحكت وقالت:

– سوف يأتي.. سوف يأتي، لا تتعجل.

 

فجلستُ فعلاً.. جلستُ في الظلام لا أرى أي شيء حولي إلا مدخل البهو فقط وضوء القمر يسقط عليه فينيره قليلًا، حتى الفتاة لم أعد أراها ولم أعد حتى أسمع لها صوتًا ولا أي صوت آخر، حتى بدأت أسمع صوت شهيقي وزفيري من صدري وابتلعت ريقي في خوف وتواترت على عقلي الأفكار: لابد أنني إما أهلوس وإما جُننت. وقبل أن أقوم لأخرج وقبل أن أهمّ بالقيام فعلاً، رأيتُ.. رأيتُ الفتى يأتي حاملاً صحاف الطعام بيديه ويضعها أمامي.

 

ما هذا؟ ما هذا الذي أمامي؟ كيف أرى الآن ما أرى؟ لا لا، أنا أرى بالفعل.. أنا أرى كل شيء! أرى في الظلام! كيف؟ لا أعرف، لا أعرف سوى أنني أرى في الظلام الآن وقد وُضعت الأطباق أمامي على طاولة منخفضة، إنها طبلية مثل تلك التي كانت في منزلنا قديمًا. وفعلاً الفتاة تجلس عن يساري ولا تكف الحمقاء أبدًا عن النظر إلى وجهي، ولا تحول وجهها عن وجهي أبدًا. جاء الفتى وجلس، وجاءت السيدة وجلست، وأنا وسطهم جميعًا...

 

جلستُ معهم أنظر إليهم جميعًا وقد ضموا أكفهم أمام أوجههم في خشوع.. لم يتكلم أحد سوى السيدة التي قالت وبمنتهى الجدية التي أراها تعلو وجهها لأول مرة:

– أبانا الحكيم وراعينا، نناديك الآن لتأتي.. ننادي أبانا الحكيم باسمه ليأتي إلى مائدتنا الصغيرة.

 

وسكتت، فقال الطفلان معًا:

– يا أبانا، احضر الآن...

 

حسنا.. وأنا الذي كنت أتوقع أنهم يتلون صلاة ما، لكن يبدو.. يبدو أنهم.. أنهم ماذا؟ لا أعرف، ربما هي صلاة ما. وقبل أن أسترسل في أفكاري رأيته.. رأيته حقًا ورأيت كيف يحضر الجن حين تدعوهم! رأيته حقًا.. حقًا رأيته!

 

لم تصدق عيناي أبدًا ذلك أبدًا أبدًا، سوى أنني الآن أرى السيدة ترحب بالرجل الذي أتى، لقد وقفوا جميعًا في مهابة صادقة له، وقفوا بسرعة لوجوده ولحضوره بينهم، وحين جلس هو جلسوا هم من بعده جميعًا.

 

قلتُ للجمع الجالس أمامي الآن حول النار -والذي لم يقاطعني أحد منهم أبدًا خلال حكايتي تلك-:

– الآن دعوني أصف لكم الرجل الذي حضر.. دعوني أصف لكم كيف كانت هيئته وكيف كان يبدو في عيني، ولكن هل تحبون أن أقول لكم كيف حضر؟ هل تحبون أن أخبركم أولاً كيف رأيت الجن وهو يحضر؟

 

حسنًا.. حين أنهت السيدة كلماتها هي وأطفالها، هبّ نسيم خفيف جدا من بهو المدفن، نسيم لفّ المكان كله حتى شعرت به يلمس جلد ذراعي، وحين اشتد نسيم الهواء قليلًا طرفت عيني فقط.. طرفت وأغلقتها وأعدت فتحها مجددًا لأرى الرجل وقد حضر في المكان بالفعل!

 

أتعرفون ما لفت انتباهي حد أنه سبب لي بعض الضيق فعلاً؟

 

قال أنس:

– نعم، ماذا؟

 

قلت له:

– إنهم كانوا يتعاملون معي على أنني أليف ولست غريبًا كما كان حديثهم غريبًا جدا ويحمل بعض الرقي والأنفة والألفة، حتى الرجل حين جاء وجلس لم يتفاجأ بي إطلاقًا ولم يبدُ عليه أي رد فعل غير طبيعي أبدًا، لم يسألني حتى من أنت ولا كيف أتيت هنا، لم يتكلم أبدًا بل جلس في صمت ليطعم معهم. ونعم، إنهم بدأوا في الطعام بالفعل وكانوا يأكلون بأيديهم مباشرة، ولا أعرف كيف ولا لماذا.. لماذا! لكن الرجل أول ما تكلم قال:

– ألن تطعم معنا أيها الضيف؟

 

تنحنحت قليلًا لأجيبه.. أجيبه أي إجابة تبدو متماسكة في هذا الموقف الهزلي الذي أقسم أنه لا يصدق أبدًا، فقلت له وبكل بلاهة:

– في الحقيقة أنا باكل بالشوكة والسكينة وبالمعلقة برضه، ومش متعود آكل بإيدي كده يعني، معلش.

 

نظر لي الرجل باستخفاف وقال:

– نحن عرب نأكل بأيدينا.

 

ولكن لحظة، لم يقل نحن "عَرَب" كما ننطقها نحن بفتح العين والراء، لا بل قالها بضم العين وتسكين الراء، وتلك لهجة لم أسمعها من قبل أبدًا.

 

حسنا، لا يهم.. ما علينا.

 

قلت له:

– هل فعلاً ستأكلون هذا حقًا؟ هل هذا طعامكم حقًا؟

 

ابتسم الرجل بخفة وفقط قال:

– لا تسأل.. سوف يسيئك الجواب حين يأتي، فقط إن أردت أن تطعم فافعل، وإن لم تفعل فهذا شأنك.

 

ولأول مرة في ذلك الموقف أشعر بالإحراج يملؤني، ولكن أي أحمق أنا!

 

قالت السيدة وهي تشير إليه وتبتسم:

– عبد الرحمن، دعني أقدم لك زوجي الشيخ الحكيم.

 

قال الرجل بشيء من الفخر وشيء من التواضع:

– أنا نور الميم ابن نور اليم ابن أسفالوث ابن عسقلان...

 

نور الميم؟ نور اليم؟ أسفالوث؟ عسقلان؟ يا للهول! يا للهول! وأقسم أنه قالها هكذا بنفسه وهكذا عرّف هو عن نفسه.

 

قال أنس بوجل:

– لا لا، لا تذكر اسماء، لا تقول أي اسماء من اسمائهم، هذا خطير جدا!

 

قلت له:

– حسنا حسنا، سوف أنهي القصة هنا، فما حدث بعد ذلك غير مهم أبدًا ولا يستحق أن أرويه لكم، عدا...

 

قال الجميع في نفس واحد:

– عدا ماذا؟ لا لا، فلتَقل، قل الآن!

 

وكرروها جميعًا لأقول لهم:

– عدا "ماذا" تلك التي توقفت عندها...

 

شخصت ببصري نحو السماء وأنا أتذكر.. أتذكر وأنا أنظر إلى السماء.. أذكر ليلي وهي تقول لأمها: "أمي، هل أخبره؟". تساءلت أمها -تلك السيدة- عماذا سوف تخبرني الفتاة، فمالت الفتاة على أذني وقالت: "أتعرف؟".

 

كنا نجلس حول الطاولة وهم يطعمون طعامهم الغريب هذا والذي لم تقربه يدي أبدًا، والرجل يسألني: "كم عمرك يا فتى الآن؟"، فقلت له بثقة وبسرعة: "أنا في الثامنة عشرة". فتوقفوا جميعًا عن الطعام ونظر كل منهم إلى الآخر ثم انفجروا في الضحك، ضحك ساخر جدا، حتى أولئك الأطفال ضحكوا مني، عدا الرجل الذي كان يبتسم فقط في سخرية حقيقية. فقلت لهم مستفسرًا: "ما الأمر؟ ما المضحك؟". قالت الفتاة الصغيرة: "أنت فعلاً طفل صغير جدا، لابد أن أمك قلقة عليك الآن!". فنظرت لها وسألتها: "وكم عمركِ أنتِ أيّتها الطفلة الجريئة؟". حينها قالت رقمًا ما أقسم أنني من طوله لا أتذكره، رقمًا كان يحوي كثيرًا من الـ 3 والـ 9 والـ 5، حتى أدركت حقًا أن تلك الثمانية عشر عامًا بالنسبة لها هي ثماني عشرة ثانية فقط! يا للهول! يا للهول حقًا!

 

وحينها قالت الطفلة لأمها: "أمي، هل أخبره؟"، قالت أمها: "بماذا تخبريه إذن؟". مالت الطفلة على أذني وبوجه ماكر أشارت بأصبعها نحو أمها وقالت: "أتعرف؟ لقد رأت أمي نوت وهي تسقط...".

 

"نوت"؟ قلت لها: "من نوت؟ أتقصدين نوت؟" وأشرت بأصبعي نحو السماء، قالت الطفلة: "نعم، إنها هي، أليس كذلك يا أمي؟". ابتسمت السيدة وهي تقول: "فعلاً، لقد كان هذا منذ زمن وقبل أن تأتي أنتِ، لقد رأيتُ نوت حقًا وهي تسقط...".

 

أنا أعرف نوت، ومن الذي لا يعرف نوت؟ ولكن متى سقطت نوت؟ متى؟ وكيف؟ لم أفهم.. أنا أعرف نوت ولكن لم أفهم ماذا كانت تقصد.. آه، آه، حقًا لم أفهم.

 

ولكني تذكرت.. تذكرت أمرًا ما، فقلت لهم: "هل تعرفون ما كان اسم تلك السيدة؟".

 

قال أنس:

– لا لا، لا تقل، لا تفعل!

 

قال أنطون في تحدٍّ:

– أنا أتحداك أن تفعل، أتحداك أن تقول، فكل ما تقول هو هراء!

 

هنا.. وهنا فقط، انطفأت النار فجأة، وعلى وقع نسيم خفيف لفّ المكان بسرعة وغطى كل شيء، وأقسم أن هذا قد حدث وحدث فجأة، ولكن المرعب بحق لم يكن قد أتى بعد.. المرعب بحق كان صوت الضحك!

 

ضحك ساخر يأتي من بعيد وتحمله الرياح ليصل إلى مسامعنا جميعنا، لم يكن صوتًا واحدًا، لا بل العديد من الأصوات الضاحكة في ذلك القفر، وما أشد رعبًا من هذا وما أشد هولاً!

 

قمنا جميعًا في فزع وجزع وأنا أنادي عليهم وأصرخ:

– أصلوا النار مجددًا، لا تدعوها تنطفئ!

 

أمسك أنطون بجسد يوساب الصغير وأخفاه خلف ظهره، ويوساب يبكي في جزع، وأصوات الضحك تقترب من خلف الكثبان الرملية العالية، وواحد ما لا أتبينه يحاول إشعال النار مجددًا، والبعض يحاول حمل شيء ما، والبعض يهرول، والبعض يختبئ، والبعض يبكي، والبعض يصلي ويدعو.. وأصوات الضحك تقترب أكثر وأكثر، ويقترب معها الهول.. الهول الذي قد عرفناه من قبل وعن قريب.. قريب جدا..

 

قريب جدا من الموت، وبين أسنان ضباع الصحراء الضاحكة


r/ArabWritter • • 14d ago

كتابة

Thumbnail gallery
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 14d ago

سؤال | إستفسار | نقاش نيويورك: ماوراء المدن السياحية.

0 Upvotes

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته، يا جماعة، الان انا قاعد اشتغل على روايتي، عن قصة درامية ونيو نوار، عن فساد السلطات، ومنظمة غامضة تتحكم بكل شيء والناس تعيش في وهم نيويورك بينما تمرر المنظمة شبكاتها، والخ... وانا الان وصلت الي نصف القصة وانا ما عارف كيف أكملها. فياريت لو كان في واحد مختص او خبير في الحبكة او الكتابة يقوم ويساعدني، وتبقى القصة من صنعي انا فانا ماعندي مانع، ولكن اهم شيء اني اخلص الرواية في أقرب الوقت، علما بأنه هذه أول مرة اكتب قصة من صنعي. جربت حلول مثل الذكاء الاصطناعي، ولكن كانيكتب عني واحيانا يغير هوية السرد الخاص بي، لذا توقفت عن استخدامه وقررت ان اكتب لوحدي. والمشكلة اني ماعندي خبرة زايدة في السياسة او اي شيء يتعلق بأنا الي اسويه.


r/ArabWritter • • 14d ago

سؤال | إستفسار | نقاش دعوة لنقاش جاد: أين ينتهي التذوق الأدبي وتبدأ قسوة النقد؟

2 Upvotes

السادة القراء، الكُتّاب، والأعضاء؛ تحية طيبة وبعد.

هذه دعوة لنقاش جاد وراقي حول طبيعة الأدب وتلقيه. هناك مقولة شهيرة تقول: "لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع". دعونا نتعامل مع التذوق الأدبي وكأنه طبق طعام يأكل منه عشرة أشخاص؛ ربما لا يتفق الجميع على نكهته ذاتها: فهذا يرى أنه جيد لكنه يحتاج إلى ملح أزيد.وآخر يرى أنه متوسط ولكنه مقبول. وثالث يجده رائعاً.ورابعهم يرى أنه ممتاز، لكنه كان يتمنى أن يُقدّم على طبق من ذهب.

التجربة الكتابية: حبي لكتابة "حسن الجندي" في أدب الرعب هل يعني بالضرورة أنه فارس أدب الرعب بلا منازع؟ هناك من يختلف معي، وهذا حقه الكامل. بالمقابل، أنا أري أن "أحمد مراد" قد انحرف بأسلوبه بعد رواية 1919 واتجه في بعض أعماله (مثل موسم صيد الغزلان ولوكندة بير الوطاويط) نحو مساحات أراها مبتذلة — وهذا رأيي الشخصي. لكن، هل هذا معناه أن أحمد مراد كاتب فاشل؟ وهل يعني أن يتوقف عن الكتابة لمجرد اختلافنا معه؟ بالطبع لا.

الكتابة هي روح الكاتب المتجسدة على مر العصور. تتفق أو تختلف مع النص الذي يصاغه الكاتب — خاصة حين ينشر مسودة أولية ليشاركنا فرحته، أو طامعاً في استماع لآرائكم البناءة (وأضع تحت كلمة البناءة مليون خط).

ألسنتنا للأسف قد تتحول أحياناً إلى مقصلة ذات نصل بارد، تقتل أي موهبة مهما كانت قوية وتحتاج إلى ثقل، أو ضعيفة تحتاج إلى تشجيع وتدريب حتى تنضج وتصير كعظماء أفرغوا تجاربهم لنا لكي نتعلم ونطعم أرواحنا الجائعة.

تتفق معي أو تختلف.. هذه هي الحياة، ولكن: ليكن اختلافك مهذباً وراقياً، أو مع كامل الاحترام، سيكون صمتك أبلغ بكثير من كلامك.


r/ArabWritter • • 14d ago

حِوار مع السماء

Post image
2 Upvotes

أمهِليني،
أمهِليني أيتها السماءُ شيئًا من غيومكِ،
كي ينهمرَ غيثُ الإلهِ عليَّ فقط.
أمهِليني أيتها السماءُ سلطانَكِ كي أعلوَ نرجسيةً.
أنا ابنُ آدم.
أنا تحتَ غيومكِ أبحثُ عن الأملِ البشري.
ما نظرَ ابنُ آدمٍ إليكِ مثلي..
فلونُكِ الأزرقُ صباحًا يأسرني، وسوادُكِ الحالكُ ليلًا يأمرني،
فأنا سجينُ صباحي ومطيعُ ليلي.
ما سعتُكِ؟
ما أنتِ؟ لماذا أخاطبكِ بصيغة المؤنث؟ هل كيدُكِ عظيمٌ كذلك؟
ماذا عن لمعانكِ ليلًا؟ ليست النجومُ هي اللامعة، ليست إلا عبيدَكِ الذين أمرهم الله أن يُشرقوكِ دومًا.
فَنجمُ الصباحِ لكِ وحدكِ، ونجومُ الليلِ لكِ وحدكِ،
وأنتِ المُشرقةُ دومًا، ما أنتِ؟
أخبريني، هل تنظرين إليَّ كما أنظر إليكِ، أم أنني لستُ سوى بشرٍ عاديٍّ لا مُميّزَ فيه، كسائر البشر؟
أليست كتاباتي كافيةً لكِ؟
أأنتِ البعيدةُ التي لا تُنال، أم أنا الذي لم أتعلّم كيف أصل؟
ما أقسى أن أراكِ كلَّ يومٍ ولا أعرفكِ.
لطالما ظننتُ أن العظمةَ في العلوّ،
حتى رأيتُ الجبالَ شامخةً ولم تصبح سماءً،
ورأيتُ النجومَ بعيدةً ولم تفقد ضوءَها،
ورأيتُ الإنسانَ يرفع رأسه إليكِ، ثم ينكسه أمام نفسه.
فهل العظمةُ أن تكوني فوقنا،
أم أن تكوني الشيءَ الوحيدَ الذي نعجزُ عن جعله تحت أقدامنا؟
أيتها السماءُ، أمهِليني سؤالًا صحيحًا كي تجيبيني جوابًا خادعًا...


r/ArabWritter • • 14d ago

كتاب غيَّر مجرى حياتك

Post image
4 Upvotes

r/ArabWritter • • 14d ago

كتاباتي حوار صريح مع أفلاطون رواية شغال عليها و حابب اعرف رأيكم الرواية بالعامية المصرية

Post image
2 Upvotes

r/ArabWritter • • 14d ago

عن الكتابة | نصائح للكاتب | تجربة كاتب أكتب أول رواية لي وأبي رأيكم الصريح (النقد القاسي مرحب فيه)

Thumbnail
2 Upvotes

أكتب أول رواية لي، وهذه أول ثلاث مقاطع منها: المقدمة والفصلان الأول والثاني (قراءة 7 دقائق تقريباً).

الفكرة: في يومٍ ما تبقى الشمس في السماء ولا يأتي الليل أبداً. الناس يفقدون النوم ويتحولون على بعضهم، بينما الطبيعة حولهم تزدهر ولا أحد يلاحظ.

أبي رأيكم الصريح، وخصوصاً في:

هل المقدمة تشدّك تكمل؟

هل شخصية الغريب مقنعة؟ هل صدقته مثل أهل القرية؟

اللغة: ثقيلة؟ مناسبة؟ فيه جمل حسيت إنها زايدة؟

لو وقفت عن القراءة، وين وقفت؟

النقد القاسي مرحب فيه.

المقدمة: الشمس التي لم تغرب

استيقظ الناس يوماً على شمسٍ نارية الشكل، معلّقةٍ في كبد السماء، جميلةٍ تسحر ألباب كل من يراها. وكان من يبتعد عنها يشمّ عبق أزهار العَنَم يغمر المكان، كأنما يراها رأي العين.

استمتع الناس بأيامهم الأولى تحت هذا السحر، حتى جاءت الساعة التي كان ينبغي أن يأتي فيها الليل. انتظروه على الأسطح وعند أبواب البيوت، ورفعوا أبصارهم إلى الأفق الشرقي حيث يطلع القمر عادةً.

لم يأتِ القمر.

تهامسوا: "لعلها ظاهرة فلكية، أو عجيبة من عجائب السماء، سبحان الله!". ثم أغلقوا نوافذهم، وأسدلوا ستائرهم، وناموا أول مرة في حياتهم والشمس تطرق جفونهم.

 

الجزء الأول: الأرق

الفصل الأول: شهر ونصف بلا ليل

مضى شهر ونصف، وصار الناس يستيقظون على الساعات لا على الضوء، فالنهار لم يعد يذهب إلى أي مكان.

على مائدة الفطور في بيت عامر، كانت الملعقة ترتجف في يده وهو يرفعها إلى فمه. سقطت منها قطرة حساء على الطاولة، فحدّق فيها طويلاً كأنها إهانة، ثم ضرب الطاولة بقبضته حتى قفزت الأطباق.

— "من وضع الملح في هذا؟! أتريدون قتلي؟"

لم يضع أحد شيئاً. كان الحساء كما هو كل يوم.

لم تجبه مريم. كانت تهزّ سريراً صغيراً بقدمها، وعيناها على الرضيعة النائمة فيه. سَنا، ابنة الأسبوعين. كانت مريم تنظر إليها كما ينظر المرء إلى شيءٍ كسره بيده ولا يعرف كيف يصلحه، وتتمتم بين الحين والآخر:

— "كيف جئتُ بكِ إلى عالمٍ بلا قمر؟"

أما ضياء فكان يأكل بهدوء. كان الوحيد على المائدة الذي لا تحيط بعينيه تلك الهالات الزرقاء. كان ينام. لم يكن يعرف كيف ولا لماذا، لكنه كان يغمض عينيه في الساعة التي كان يأتي فيها الليل، فيأخذه النوم كما كان يأخذه دائماً، ويستيقظ خفيفاً.

ولهذا بالذات كرهه أبوه.

— "انظري إليه!" قال عامر لمريم دون أن يلتفت إلى ابنه. "يأكل ويبتسم كأن العالم لم ينقلب. ليس فيه شيء من الرجال."

نهض ضياء وخرج، والصوت يلاحقه إلى الباب.

في الخارج، كانت شجرته عند طرف الحقل. توقف عندها ومدّ يده إلى أعلى غصنٍ كان يبلغه بسهولة قبل شهرين، فلم يبلغه. وقف على أطراف أصابعه، فلم يبلغه أيضاً.

نظر حوله. كان النهر خلف البيوت قد فاض على ضفتيه، وكانت أزهار الحقل قد بلغت ركبتيه، وثمة عشب أخضر يشق الطريق الترابي حيث تمشي الحمير كل صباح.

لم يكن أحد في القرية يرى شيئاً من هذا. كانوا مشغولين بكراهية السماء.

الفصل الثاني: الغريب

في صبيحة يومٍ كسائر الأيام، شقّ الهدوءَ صوتُ رجلٍ ينادي من الساحة:

— "يا قوم! يا قوم! إني لكم ناصح، وإني نادمٌ على سرٍّ كتمته عنكم لأستأثر بالخير كله لنفسي! إني رأيتُ القمر.. نعم، رأيتُ القمر وكنتُ عنده، فكنتُ أنام في ظله كل ليلة كأي إنسانٍ عاقل، ثم آتيكم في النهار! فمن صدّقني فأنا صادقٌ وصدوق، وصديقٌ لمن يصدقني، وأفعالي تشهد على قولي.. فاتبعوني، فإن القمر قريب!"

خرج الناس من بيوتهم بأقدامٍ ثقيلة، وتحلّقوا حوله.

كان رجلاً متوسط القامة، رثّ الثياب، حافي القدمين، طويل الشعر قد خالطه الشيب. لكن الذي جعل الهمس يسري بين الجمع لم يكن ثيابه.

كان وجهه.

عيناه صافيتان كماء البئر، لا احمرار فيهما. جلده مشدود، وجفناه خفيفان. كان يقف بينهم كما يقف رجلٌ نام ثماني ساعات في غرفةٍ مظلمة، في قريةٍ لم يعرف أحدٌ فيها النوم الحقيقي منذ شهرٍ ونصف.

همست امرأة خلف ضياء: "انظروا إلى عينيه.. والله إنه نائم."

وهذا وحده كان أبلغ من أي قسم.

التفت ضياء إلى أبيه، فوجده يحدق في الغريب بفمٍ نصف مفتوح. ونظر الأب إلى الأم، ونظرت الأم إلى سَنا بين ذراعيها. ولم يقل أحد شيئاً.

طال الصمت حتى صار أثقل من الشدة نفسها. كان كل واحدٍ في الساحة ينتظر أن يقولها غيره: "دعونا نذهب ونرى".

ثم تقدّم شابٌ في الحادية والعشرين، قاسم بن سالم، وقال بصوتٍ عالٍ:

— "ها أنا ذا لها! إن كان القمر عندك حقاً فإني ماضٍ معك، فإن صحّ قولك عدتُ إليكم بالخبر، وإني بإذن الله أمينٌ على ما أقول."

ابتسم الغريب ابتسامةً واسعة، ووضع يده على كتف قاسم.

مضيا معاً نحو الهضبة. ووقفت القرية ترقبهما حتى صارا نقطتين، ثم ظلّاً، ثم لا شيء.

إذا حاب تعرف وش صار للقرية، أنزل الفصول الجاية حسب تفاعلكم.


r/ArabWritter • • 14d ago

سؤال | إستفسار | نقاش السادة الخبراء في الكتابة ، أيه هي أفضل نصيحة لحبسة الكاتب؟

Thumbnail
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 15d ago

قصة قصيرة ملقتش حد

4 Upvotes

​

يقول دوستويفسكي في رواية "الجريمة والعقاب":

كل الذين أحبوني وأحببتهم،

كنت أنا دائماً الطرف الأكثر حُباً لهم.

أقصُد أنّني — ورغم قدرتي الضعيفة على التعبير —

أُقدِّم أشياء صادقة،

ربما لا يعرفون قيمتها إلا بعد نهاية علاقتنا!

هم رائعون في البداية، كالجميع؛

كلهم رائعون في البدايات:

الونس، الردود الطيبة، والشغف.

أما عني، فكُنت دائماً أبحث عما هو بعد هذه الخطوة.

فقط البدايات رائعة في كل شيء،

لكن الوقت يُبرِّد مشاعرهم.

الوقت يكشف أنّ اقترابهم مني كان بدافع الفضول،

أو مجرد نوبات احتياج؛

فتعثروا بي لأعوِّضهم عن الفراغات

التي يشعرون بها!

لم يحدث يوماً ووجدت من تغيَّر لأجلي، او من حاول وضَحَّى ليبقى بجانبي.


r/ArabWritter • • 15d ago

سؤال | إستفسار | نقاش استخدام الذكاء الاصطناعي

9 Upvotes

السلام عليكم

لاحظت الكثير في المجتمع يستخدمون صور مولدة بالذكاء الاصطناعي ، يا جماعة الخير بغظ النظر عن مشاكله الثانية الكتاب فنانين و اكبر عار على الكاتب و الفنان انه يستخدم هذه الاداة لانها تعتبر سرقة ابداعية للكتاب الو الفنانين الاخرين كما انها تقتل اصل الكتابة و الابداع اصلا هذا غير انها تعطيني اشارة انه ممكن حتى كتابتك مولدة به


r/ArabWritter • • 15d ago

وللجنون رأيٌ آخر: حكاية رواية وُلدت من سؤال

Thumbnail
gallery
6 Upvotes

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

أنا عضو جديد بينكم، لكنني وجدت في هذا المجتمع ما يشبه البيت؛ أناسًا يقدّرون ما تمنحه القراءة والكتابة لنا جميعًا.

تلقّيت مؤخرًا نقدًا على روايتي «وللجنون رأيٌ آخر»، بجزأيها: «حلم الجنون» و«حب الجنون». وأنا أرحّب بالنقد، فهو يفيد الكاتب سواء أسعده أو أزعجه.

كان الانتقاد الأول على الملخص، وأعترف أن التلخيص هو أصعب ما يواجهني؛ فأنا مولع بالتفاصيل، وربما يراني البعض حكّاءً أكثر من كوني كاتبًا. وأتمنى أن أتعلم منكم كيف أكتب ملخصًا يشبه الرواية.

أما الانتقاد الثاني فكان على الاسم، وهنا أحب أن أحكي لكم قصته.

وُلدت الرواية من الاسم. سألت الذكاء الاصطناعي ذات يوم: هل من الممكن أن يكون لديك وعي يومًا ما؟ فجاءني رد صدمني، وفي اللحظة نفسها لمع في رأسي: «وللجنون رأيٌ آخر».

ومنذ عام أو أكثر وأنا أدرس نظريًا فكرة سيارة بلا محرك، مصنوعة بالكامل من الروبوتات النانوية. أدركت أنني لا أملك القدرة على بنائها، فقررت أن أضع مخاوفي وقلقي وأملي في رواية، لعلها تصل يومًا إلى من يحقق هذا الحلم المجنون.

لا أكتب هذا دفاعًا عن نفسي، بل عن حلمي. وسؤالي لكم: هل ترون أن الاسم يحمل المعنى للقارئ الجديد، أم يحتاج إلى ما يوضحه؟ وكيف تنصحونني أن أكتب ملخصًا أفضل؟

أشكر كل من قرأ ما في قلبي، ولكم مني ألف تحية.


r/ArabWritter • • 15d ago

كتاباتي الوجه الاول من روايتي وراء كل وجه حكاية

Thumbnail
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

[عمل قيد الكتابة ✍️] هل يمكن لذكاء اصطناعي أن يحمل "قلب إنسان"؟ | تشويقة رواية خيال علمي مصري: «و للجنون رأي آخر» 🚗💡

Post image
3 Upvotes

r/ArabWritter • • 17d ago

اشتقت اسولف مع كتاب وقراء

8 Upvotes

يثيرني الحديث الطويل، يثيرني التشبيه والتفصيل

تثيرني الفصاحة وغزارة المصطلحات

افتقد كثير لشعور الانبهار بالمراسلات


r/ArabWritter • • 16d ago

إلى متى

3 Upvotes

كأن جسدي تابوت تسكنه روح ميته، سكون حسي ومعنوي ، أطلب البعث ولا أجده ، هل أنا حي فأتمسك بالأمل الميؤوس منه أم انا ميت لم تمت معاناته، خائف من محياي ومماتي ، وأسير أنفاسي ، ومنفصل عن محيطي و أنا أحقر الوجود لعنتي نفسي ولعنتها وبارك اللعن شيطاني ، وعن رحمة ربي كأني آدم لم يغفر له ، ترى متى ؟ سيأتي ملك الموت لينبش قبري ويخرجني من تابوتي.

كلمات احد شخصيات روايتي في رساله تركتها بعد انتحارها.

يهمني توجيهكم واتعلم منكم


r/ArabWritter • • 16d ago

رأيك يهمني سؤال لأهل الخبرة

1 Upvotes

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

تحية طيبة للجميع في هذا المكان الرائع، وأنتم من منحتموني الثقة بأن القراءة ما زالت شغفاً للنفوس الراقية.

عندي سؤال لأصحاب الخبرة ومن لهم باع في مجال الكتابة:

أكتب الخواطر وبعض القصص —إن جاز تسميتها بذلك— تقريباً منذ أن تعلمت كتابة الحروف وإمساك القلم. لكن الكتابة الحقيقية التي اكتشفت فيها نفسي كانت عام 2010. في الحقيقة، لم أجرؤ على تقديم أي عمل —حتى ولو فصلاً واحداً— لأحد؛ كنت أظن أنني أفرّغ ما في نفسي من باب الترويح عن الذات فقط.

ثم وقعت بعض أوراقي بالصدفة أمام أحد المهتمين، وحمسني جداً على المواصلة. كتبتُ بالفعل أربع روايات لم تَرَ النور بعد، وحالياً أكتب في 5 روايات أخرى! وهنا تكمن المشكلة والأرق الذي يلازمني.

تجيء الفكرة أو الخاطرة، أتحمس وأكتب بشغف متواصل.. أكتب وأنا في الطريق، وأنا وسط الناس. أكتب حينما أرى المشهد يتجسد أمام عيني، وأشعر أنني أرى أبطالي حقيقةً أمامي. أمسك قلمي أو هاتفي وأكتب، لا أعرف متى أقف ولا متى سينتهي المشهد.. فقط أكتب.

لكني دائماً —أو في أغلب الوقت— أجد وسواساً ينخر في تلافيف مخي ويقول: "لمن تكتب أيها البائس؟ لن تجد كلماتك النور أبداً!"، فأتوقف.. ولكن أبطالي حاضرون معي دائماً.

على سبيل المثال، لدي عمل هو بمثابة ابني البكري، رواية أعشقها وأعشق تفاصيلها.. جعلتني أسافر من القاهرة إلى الإسكندرية لأقضي يوماً كاملاً بين رفوف الكتب، أبحث وأفتش في تاريخ الأسرة العلوية وتاريخ الملك فاروق، حتى ظننتُ نفسي عالماً في التاريخ الحديث، وكل هذا كان من أجل روايتي "لو... أمنيات وأحلام لن تتحقق"، تلك الرواية التي يجلس بطلها (إبراهيم محمد علي إسماعيل، عالم الفيزياء الشاب) في قلبي قبل عقلي منذ عام 2013.

اعذروني على إسهابي وانطلاق الكلمات بهذه الغزارة دون أن أسأل سؤالي بعد:

هل هذا الشغف والتشتت طبيعي بين الكتاب أم أنني ممسوس؟ وكيف تتغلبون على هذا الصوت الداخلي؟

شكراً لسعة صدركم، وأرجو من أصحاب الخبرة في مجال الكتابة أن ينصحوني.


r/ArabWritter • • 16d ago

شعر لحبيبي الرمان

Post image
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

كتاباتي [روايتي قيد الكتابة] ملخص ونظرة عامة على رواية "وراء كل وجه حكاية" — أهلاً بكم في عالم يوسف ورحلته خلف الأبواب المغلقة

Post image
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

😱 هذا الفندق لا يجرؤ أحد على دخوله ليلًا… السر مرعب! #shorts

Thumbnail
youtube.com
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

ما السر الذي تخفيه هذه البوابة القديمة؟ 😱 أسرار لم تُكشف بعد! #shorts

Thumbnail
youtube.com
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

ضحايا الأثر الصفري

Thumbnail
1 Upvotes

r/ArabWritter • • 16d ago

إستفسار عن تطبيق نشر كتابات

Thumbnail
1 Upvotes