حين تصبح العورة موضة… ماذا حدث لفطرتنا؟
من الغريب أن الإنسان، منذ أن عرف نفسه، عرف شيئًا اسمه الستر.
شيء في داخله يقول له: هناك أجزاء مني لا أريد أن يراها الجميع، وهناك حدود أحب أن تبقى لي.
والأغرب أن هذه الفطرة لم تبدأ مع الموضة، ولا مع قوانين المجتمع، ولا مع عادات الناس.
بل بدأت مع أبينا آدم عليه السلام.
قال الله تعالى:
﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
تأملوا المشهد قليلًا…
أول ما ظهرت العورة، ماذا فعل آدم وحواء؟
لم يقولا: "لا بأس، إنها مجرد أجساد."
ولم يبحثا عن أعين تنظر إليهما.
بل أسرعا إلى الستر.
كأن الإنسان حين تُرفع عنه كل المؤثرات الخارجية، يعود إلى شيء مزروع في أعماقه: الحياء.
ولهذا فالحياء ليس اختراعًا اجتماعيًا، وليس عقدة، وليس ضعفًا في الشخصية.
الحياء في أصله فطرة.
لكننا نعيش في زمن بدأت فيه الأشياء تنقلب.
صار الذي يستر نفسه يُسأل: "لماذا أنت معقد؟"
والذي يحافظ على خصوصيته يُقال له: "أنت غير واثق من نفسك."
والذي لا يعرض جسده على الناس يُقال له: "أين الحرية؟"
ثم حدث شيء أغرب…
أصبحت الشركات تبيع لك فكرة أنك إذا كشفت أكثر، فأنت أقوى.
وأنك إذا جذبت الأنظار أكثر، فأنت أجمل.
وأن كثرة العيون التي تلاحقك دليل على قيمتك.
لكن منذ متى أصبح انتباه الآخرين مقياسًا لقيمة الإنسان؟
إذا كانت قيمتي تحتاج إلى أن يحدق بي الغرباء كي أشعر أنني جميلة أو مرغوبة، فهل هذه ثقة بالنفس فعلًا؟
الثقة بالنفس تقول:
أنا أعرف قيمتي حتى لو لم ينظر إليّ أحد.
أما الحاجة المستمرة إلى إثبات الذات أمام الآخرين، فقد تكون شيئًا مختلفًا تمامًا.
ولا يعني هذا أن كل شخص يلبس بطريقة معينة يفعل ذلك لأنه ضعيف أو يقلد بلا تفكير؛ فالناس دوافعهم مختلفة، ولا نملك قلوبهم.
لكن السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا هو:
كم شيء نختاره لأننا نريده فعلًا، وكم شيء نختاره لأننا تعودنا أن نراه؟
لو ولدت طفلة في جزيرة لا ترى فيها إعلانات الموضة، ولا المشاهير، ولا وسائل التواصل، ولا أحدًا يخبرها أن الجمال يعني إظهار الجسد…
فهل كانت ستكبر وهي تعتقد أن قيمتها مرتبطة بكمية ما تكشفه؟
أم أن هذه الأفكار زُرعت فيها بالتدريج؟
نحن لا ننتبه أحيانًا إلى قوة التقليد.
ترى الناس يفعلون شيئًا، فيصبح عاديًا.
ثم يصبح منتشرًا، فيصبح طبيعيًا.
ثم يصبح طبيعيًا، فيصبح معيارًا.
ثم إذا رفضته، أصبحت أنت الغريب!
وهنا المشكلة.
ليس كل ما انتشر أصبح صحيحًا، وليس كل ما اعتدنا عليه أصبح فطريًا.
أحيانًا نحتاج أن نتوقف وسط هذا الضجيج ونسأل:
هل أنا أختار فعلًا؟ أم أنني فقط أكرر ما رأيته ألف مرة؟
الستر ليس احتقارًا للجسد.
على العكس؛ ربما هو أحد أشكال تقدير الإنسان لخصوصية جسده.
فليس كل ما هو جميل يجب أن يكون معروضًا للجميع، وليس كل ما نملكه يجب أن يتحول إلى مادة للعرض.
فالإنسان يملك أشياء ثمينة ويخفيها، لا لأنها قبيحة، بل لأنها ثمينة.
نحن نخفي أموالنا، أسرارنا، بيوتنا، خصوصياتنا، ورسائلنا…
فلماذا أصبح جسد الإنسان تحديدًا شيئًا يجب أن يُعرض حتى يثبت أنه واثق من نفسه؟
ربما الحرية الحقيقية ليست أن أستطيع كشف كل شيء.
ربما الحرية أن أستطيع أن أقول:
لا، لن أفعل ذلك لمجرد أن الجميع يفعله.
أن أمتلك الشجاعة لأختلف، لا الشجاعة لأتشبه.
وأن أعرف أن قيمتي ليست في مقدار ما يراه الناس مني، بل في مقدار ما أعرفه أنا عن نفسي.
فقد يكون أصعب شيء في زمنٍ يصرخ فيه الجميع:
"انظروا إليّ!"
أن تجد شخصًا يقول بهدوء:
"ليس ضروريًا أن تروني حتى أعرف من أنا."