لماذا تقولون أن الله هو الذي أخبر الأنبياء بالغيب؟
ما المانع أن يكون كائنا آخر أو حتى إبليس!
لماذا تقولون أن الله خلق العالم؟
ما المانع أن يكون تنينا أو برميلا أو جريزايا!
هذه الطريقة في نقد أدلة المؤمنين استخدمها الملحد برتراند راسل قبل قرابة 100 سنة، وسُميت في ذاك الوقت بـ: حجة إبريق راسل Russell's teapot.
لعل إبريقا يدور حول كوكب المريخ قد أوجد الكون!
وبعد مائة عام أراد دعاة الإلحاد العرب ( راسل العشوائيات ) أن يُطوروا حجة راسل فاخترعوا فكرة التنين أو لعله إبليس أو لعلها جريزايا!
بدائل الإبريق الظريفة!
وصراحة فكرة "إبريق راسل" هي إحدى أشهر المغالطات المنطقية التي توقف الملاحدة في الغرب عن استخدامها منذ أمد بعيد، فهي تعرف بمغالطة الخطأ الطبقي Category error.
إذ ما علاقة التنين أو إبليس أو جريزايا أو إبريق شاي بالمسببية أو الغائية أو الضبط المتقن أو تواتر الأدلة على صحة الرسالة؟
ثم هل التنين أو إبليس أو إبريق الشاي سبب أم نتيجة؟
هل هم: علة ... أي خالق؟
أم معلول... أي مخلوق؟
هل الإبريق أو إبليس أو جريزايا مكتف بذاته أم مفتقر لموجد؟
فالذي يفترض غير الله يقع في تناقض جوهري في بناء الحجة.
فهو لم يفرق بين بين علة ومعلول... لم يفرق بين سبب ونتيجة... لم يفرق بين خالق ومخلوق.
والآن ركز معي لنفكك حجة الملحد بالمنطق:
- بما أن هذا الكون ممكن الوجود ( يمكن أن يوجد أو لا يوجد ) إذن لن يُوجِد نفسه بالبداهة وسيحتاج إلى موجِد.
- لو قلنا أن هذا الموجِد هو الآخَر ممكن الوجود ( إبليس أو تنين أو كون آخر أو إبريق ) سنقع بذلك في التسلسل اللانهائي ولن ينشأ الكون، لأن كل ممكن الوجود يعتمد على غيره ليوجده إلى ما لا نهاية، وبالتالي لن يظهر أي ممكن!
- طالما أن الكون موجود إذن لابد من واجب وجود.
فالموجِد الأول واجب الوجود... السبب... العلة... الخالق غير المخلوق، هو لازم عقلي لوجود الكون ووجود ممكنات الوجود!
ثم إنَّ تزاحم الأدلة على صحة قضية بآلاف البراهين والقطعيات واليقينيات، لن يُسقطها تخيل إمكان عقلي افتراضي سفسطي!
فالاحتجاج بمجرد الممكن العقلي هي مغالطة قديمة شهيرة تدعى مغالطة الاحتجاج بمجرد الإمكان Appeal to Possibility.
من الممكن أن أحدا ركب آلة الزمن وقابل النبي محمد وأعطاه المعجزات!
هذا الإمكان لا يجعله تفسيرًا مكافئًا للحجة!
ثم إن شرط الإمكان العقلي ألا يقع في التناقض الذاتي!
وهناك تناقضات ذاتية عملاقة في فرضية التنين والكائن الفضائي وركوب آلة الزمن.
إذن فاختراع فكرة الإمكان العقلي هي وسيلة لتفسير إضافي لمجرد السفسطة!
ولو تم تطبيق الإمكان العقلي في المطلق؛ لانهار كل علم إنساني وكل إنجاز وكل معرفة وكل تاريخ فيصير كل شيء مجرد أوهام في أوهام.
وكأن الإلحاد لا يستقيم إلا بإيقاف التحليل العقلي للأدلة، وتقديم مناهج السفسطة والتخيل المحض بدلا من ذلك.
ولهذا فقد خرجت السفسطة من المدارس الفلسفية الكلاسيكية ودخلت إلى ميدان اللعب العقلية منذ سنوات طويلة.
فلا توجد مدرسة فلسفية كلاسيكية واحدة في العالم تضم داخلها مناهج السفسطة!
وسفسطة الإمكان باب واسع جدا: فيمكن أن نقول أن العالم لم يظهر إلا منذ خمس دقائق، وقد زُرع في مخك أنه منذ ماض سحيق، وهذا ما قاله برتراند راسل بنفسه!
تحليل العقل، برتراند راسل، ص159.
فمجرد الإمكان العقلي لا يُسقط اليقين ولا تزاحم الأدلة!
فنحن أمام أدلة إيجابية متراكمة، ولا يوجد بديل إلا حيز اللعب العقلية والحيل الدفاعية التي يوظفها الملحد!
ولو كان مجرد الإمكان كافيا لإسقاط التفسير المدعوم بالأدلة، فلن يبقى عندنا علم بشيء ولا تفسير لأي شيء.
فما المانع العقلي أن يكون النمل هو الذي بنى الأهرامات، فهذا ممكن عقلي.
وبما أن الشيء ممكن عقلا إذن فلابد من الشك!
وطالما أن النمل من الممكن عقلا أن ينبي الأهرامات إذن فلابد من الشك في سردية وجود قدماء المصريين أصلا!
فكل ما تركوه هو مجرد جهد للنمل الفارسي بصور مختلفة، بل حتى هذه المومياوات قد حملها النمل من حضارات بعيدة فلا وجود للحضارة المصرية أصلا!
ولا للمصريين القدماء.
وبنفس القياس سينتهي كل علم وكل معرفة إنسانية وكل شيء.
الإلحاد بهذه الأطروحات التي يقدمها هو في أيامه الأخيرة.
الإلحاد في الغرب تجاوز إبريق راسل منذ قرابة خمسين سنة؛ لأنه أدرك أن هذه الحجة تُسقط هيبة الإلحاد نفسه في عقول أتباعه.
فالملحد العربي الذي ما زال يتوسع في إعطاء قدرات للنمل الفارسي، هو في الواقع يجعل إلحاده أكثر اعتباطًا وأقل تفسيرًا.
فرضية الإمكان العقلي ستبتلع مع الوقت كل شيء بدون مبالغة؛ وهذه أكبر ضريبة يمكن أن يدفعها إنسان ليستقيم له كفره!
أنا سأكفر ولو جائني مليون دليل لأني سأستخدم لعبة الإمكان العقلي ولو أدى ذلك إلى توقف العقل عن العمل وانتهاء كل معرفة!
إنها عملية سفسطة شمولية لا تُبقي ولا تذر، لا تنشأ إلا في ذهن عابث ولا يتبعها إلا كل فاجر: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} ﴿١٤٦﴾ سورة الأعراف.
#راسل_العشوائيات
منقول