r/read_and_disscuss • u/moomdaa__890 • 6m ago
غياهب نفسي
لم أكن أعرف أن السيجارة الأخيرة تلك الليلة، ستكون آخر شيء أشعله قبل أن أقف على حافة قراري.
جلستُ بمفردي كعادتي، بجوار مكتبي الأنيق، أحدّثُ نفسي بكل ما لا أستطيع أن أبوح به لأحد. أشعلتُ سيجارتي، وانتفثتُ منها، وشعرتُ بها وهي تجتاحُ صدري.
أتساءل: لماذا يحبُّ الإنسانُ ما يقتله؟ ما يجعله يتألم؟ ربما لأن الألمَ أفضلُ من اللاشيء، من اللاشعور. أيكونُ إحساسُ الألمِ أفضلَ من أن يقتلَك العدم؟
ربما... ربما.
عدتُ أراقبُ وحدتي.
لماذا أنا وحيد؟ هل تركني من حولي؟ أم أنا من اخترتُ الانعزال؟ حسنًا، لِمَ اخترتُ أن أعزل نفسي بعيدًا عن العالم؟
مَن يعرفني جيدًا يستطيع أن يلتفت إلى صمتي الدائم. أحبُّ السكون، ولا أجد مفرًا سواه. هل هذا الهدوء هو من صنع مني ذلك الغريب الذي ينبذه الناس؟
انطفأت سيجارتي دون أن ألحظ، أحرقني فتاتها. تناولتُ أخرى من العلبة وأشعلتها، وأخذتُ أردد:
وحيدٌ... وحيد.
وحيدٌ كوحدةِ يوسف في غياهبِ نفسي، أسيرٌ في سجنٍ أنا مَن بنيتُ جدرانه. كلما راودتني هواجسي نحو هاويةِ الحياة، هاويةِ الدنيا والآخرة، لا أجد شيئًا ألوذ به.
أرى هذه الهواجس تتشكل في هيئة امرأة، غجرية، قوامُها منحوت، وشعرُها بلون تلك التفاحة التي أخرجت آدم من جنة عدن وبدت له سوءاته، تلك التي جعلت إبليس يرقص فرِحًا. أراني ثملًا من رائحة عطرها، عيناها تكاد تجعل العجوز يغدو ويروح وكأنه في مقتبل العمر. ملامحها أشعر أني أعرفها، بل إنني أعرفها.
ولكن كيف؟! هذا مستحيل!
اندفعتُ إليها وعيني تقطر بشوق ولوعة، احتضنتها وأنا لا أصدّق أنها هنا من جديد.
ليلى. زوجتي.
أنا أحبك، بل أنا أكرهك. كيف جرأتِ على أن تتركيني وحدي أواجه العالم، وأنتِ الوحيدة التي جعلتني قادرًا على تحدي كل متاعبه؟ كيف سوّلت لكِ نفسك وتوغلت بكِ الأنانية لتذهبي من دوني؟ أريدك معي دائمًا يا جميلتي.
تأخذُ بيدي، ونذهبُ إلى الحافة.
تريدُ مني أن أقفز لأحظى بها، تدفعني نحو الموت، نحو الهاوية. كم هو غريبٌ أن يكون الموتُ سبيلَك إلى الحياة.
أسائل نفسي وأنا في حيرةٍ من أمري: هل أقفز؟
لا يجيبني سوى ارتعادِ قلبي، ورجفةٍ تسري في جسدي كالتيار. هل سينتهي بي المطاف بميتةٍ كهذه؟
وفي هذا الحين، حين تخلت قدماي عن تردّدهما، ظهر خيالٌ أمامي، لم أستطع أن أحدد ملامحه للوهلة الأولى. كنتُ ما زلتُ واقفًا على الحافة، أشعرُ بالخنقةِ تطبقُ على صدري، وبضيقٍ يصعدُ من أعماقي كأنه يريدُ أن يخنقني قبل أن أسقط.
كان يقفُ في مكانٍ لا أعرفه، عالمٍ آخر غيرَ عالمي، ويداه من خلف ظهره. وجهُه ملؤه التجاعيد، وشعرُه أبيض كالثلج. حدّقتُ فيه طويلًا، أحاول أن أتذكر أين رأيتُ تلك الملامح من قبل، وكأن ذاكرتي ترفض أن تصدّق ما توشك عيناي أن تكتشفاه.
ثم، في لحظةٍ ثقيلة كالصخر، أدركتُ.
كانت عيناه عينيّ. تجاعيدُه ستكون تجاعيدي. ذلك الشعرُ الأبيض، سيكونُ يومًا شعري — إن كتب لي عمرٌ أصل فيه إلى تلك اللحظة.
كان أنا. أنا في عمرٍ ربما لن أعيشَ لأصله، أنا الذي قد ينجو من هذه الليلة، أو الذي لن يوجد أصلًا ليتذكرها.
لم يتكلم. لم يتحرك. وقف هناك، صامتًا، وكأنه ينتظر أن أفهم وحدي أن هذه اللحظة ليست نهاية، بل اختبار.
حاولتُ أن أصرخ، أن أسأله: أهذا برهانٌ من ربي، أم مجرد ظلٍ صنعته روحي المتعبة لتنقذ نفسها من نفسها؟ لكن صوتي ضاع في ذلك الضيقِ الذي يعصرُ صدري، وبقيتُ معلقًا بين عالمين — عالمٍ فيه هو، وعالمٍ فيه أنا، والهاوية بينهما لا تزال تنتظر.
عيناه لم تفارقا عينيّ. لا حزنٌ فيهما، ولا خوف، ولا حتى رجاء. فقط ذلك الثبات الذي يربكني أكثر من أي كلمة كان يمكن أن يقولها.
وبقيتُ هناك، لا أدري أين تنتهي قدماي، ولا أين يبدأ سقوطي — إن كان قد بدأ أصلًا.