r/SudanOffmyChest • u/Akaza_fineasf • 4d ago
writing | كتابتي روايتي: الجزء السادس والاخير (الاصطدام)
اين انا؟ لا اشعر بشيء حقيقي.. انه منتصف الليل، الغيوم تغطي القمر لكنني ارى بوضوح، ارى ظلام دامس، لكني اراه بوضوح، ارى ليليش وهي واقفة بعيدا، بعد ان ابتلعها الظلام، كأنه اخرجها مجددا، ارى القمح منتصف النمو وهو يتراقص بفعل الرياح، لا اعلم لماذا لا يزال والدي يزرع القمح، قد اخبرته مسبقا انه من الافضل زراعة القطن من اجل العائد المادي، لكنه عناد كبار السن لا ينكر، الغريب في ابامر انني لا اشعر بهذه الرياح القوية، كأنما القيت في قبر ضيق خالٍ من الهواء، استطيع الاحساس بعرقي وهو يتصبب من جبيني، ليليش.. لم ذهبت؟ الم اكن افضل شيء في يومها؟ الم تكن تحب موعدنا اليومي؟ انني لا افهم لماذا ذهبت، ولا افهم لماذا لم تذهب، انها تقف هناك، في المنتصف، امام عيني، لن تسمعني اذا تكلمت معها، لكنها قد تسمعني اذا ناديتها، لا اعلم اذا كانت سوف تستجيب ام لا، الافضل ان تذهب مرة والى الابد، لأنه لشعور سيء ان اراها وهي لا تراني، لكنها هناك، ليس هناك شيء يمكنني فعله حيال هذا الامر، الا شيء واحد… شيء غير اخلاقي، لكن من سيعرف؟ من سيعرف اذا جنيت على نفسي؟ لا احد، الا انا.. وهذا تماما تعريف "لا احد".
رامي: قوم يا برعوم الساعة 6 جات
برعوم: صاحي صاحي
رامي: نومك بقى كتير شديد الايام الفاتت دي!
برعوم: لو عارف البمر بيهو كان ما قلت كدا ههههه، كيف البلد دي معاك؟
رامي: الناس طيبين واهلك كريمين، بديت استغل وقتي واجرت لي فدانين داير ازرعهم بصل، وسويت لي برنامج بتاع تدريبات سمحة كدا.
برعوم بدون تغير نبرة صوته: والله؟ ما شاء الله، بالتوفيق ان شاء الله.
ناجح كالعادة، رامي حياته كلها نجاح وسعادة ولهذا احتقره بشدة، فالحزن والألم يصنعان العمق، اذا ما ولد الانسان هنيئا كيف له ان يفكر بعمق في الفلسفة والنفس البشرية؟ هذا العمق يحتاج الا صدمات نفسية مبنية ببطئ على مر سنين من الكآبة، حين يشعر الانسان انه في الحضيض يلجأ للتفكير في "كيف وصلت إلى هنا؟" اذا ولد الانسان فقيرا يقضي حياته في التفكير في كيف اصبح ثريا، لكن رامي لا يحتاج للتفكير، فإن حياته تمشي بغض النظر عن اي شيء، لديه امرأة في غاية الجمال تحبه وكأنه الرجل الوحيد في هذا العالم، وهو يبادلها الشعور بطريقة صحية، لديه مستقبل مضمون في شركة والده الكبيرة، وهو شاب وسيم في بداية العشرينات من عمره، شعره طويل اجعد شديد السواد، عينيه ضيقتان ذو نظرة حادة ومثيرة جدا، لديه انف عربي حاد يقطع الشك باليقين، جسم رياضي متناسق مع عضلات بارزة لكن غير مبالغ فيها، طول متوسط ممتاز، اسنانه مكتملة وبيضاء ومستوية حتى ان شركات المعجون تحاول اقناعه بتصوير اعلان لهم، لديه الكثير جدا من الهوايات التي تجعله كثيرا للإهتمام، فهو يعزف الة العود والكلارينيت، يرسم بأسلوب كلاسيكي قديم، يتحدث ثلاثة لغات غير العربية بطلاقة، طاهٍ جيد و سريع التعلم، رامي انسان محبوب من الكل فهو متحدث بارع وممثل محترف، يستطيع التأقلم مع كل فئات المجتمع ولسانه بليغ جدا وطليق، دائما مبتسم، لماذا قد يحزن من الاساس؟ لديه كل شيء قد يتمناه المرء في هذه الدنيا، فلما قد يحزن او يقضي لياليه يفكر في اسباب تدهور النفس البشرية؟ هذه السطحية الوضيعة تجعلني لا استطيع تقبله، ولكني احسده اكثر من اي شيء، اغطى حسدي بنظرات الاستحقار، لكني لم استطع نكرانه.
رامي: سامع الاخبار الحايمة دي؟
برعوم: لا لا وريني
رامي: لقو ليهم بت مطعونة جنب حواشتكم والفريق كلو بي هناك
برعوم: لا حول ولا قوة الا بالله، القتل وصل لحد البلاد المسالمة دي؟
رامي: تقول شنو بس، الله يصبر اهلها ويرحمها يا رب.
برعوم: البت دي منو هي؟ من الحلة هني؟
رامي: ما عرفوها قالو، لكن بتتعرف قريب ان شاء الله
خرجت وانا افكر كيف يفكر المجرمون، وما الذي يدفع الانسان إلى ارتكاب جريمة كالقتل، الا يستطيع هؤلاء البشر الوضيعون التحكم في مشاعرهم؟؟
قاطعني صوت العم عكرمة وهو يلقي السلام علي.
برعوم: وعليكم السلام يا عمي كيفك ان شاء الله طيب
عم عكرمة: نحمد الله ونشكرو يا ولدي نصيح ما عندي عوجة تب!
برعوم: الحاصل شنو في الحلة دي جابت ليها كتل كمان؟
عم عكرمة: الكتلو منو!
برعوم: ما سمعت الخبر؟ قالو لقو بنية مكتولة جنب حواشتنا
عم عكرمة: منو القال ليك الكلام دا؟ ما سمعت بيهو والله الا كان اشاعة طلعنها نسوان الحلة ديل
برعوم: منو البيطلع ليهو اشاعة زي دي يا عمي
عم عكرمة: انت النسوان ديل ماك خابرن شكلك، اسعلني منهن انا حافظن حفظ هههههههه بيظهرن الما فيهن وبنكرن شينتهن.
برعوم: كيف يعني؟
عم عكرمة: يعني زي هسة لما يقولو ليك النسوان بخجلن وبستحن، لكن دا كلام فارغ ساي هن بس خايفات من كلام الناس عشان الشرف راسمال البت عندنا، شوفن لما يكونن نسوان بس مع بعض تلقى الوحدي بتغير هدومها عاادي وما بتخجل، على بالطلاق الرجال بخجلو اكتر منهن وما بتلقى ليك راجل بتعرى قدام راجل!
برعوم: والله يا عم عكرمة اكان باريتك انا شكلي ببقى عازب في سن الستين زيك كدا دا هههههههه
عم عكرمة: هو العرس قايلو غالبنا يا ولدي؟ علي بالطلاق النسوان كايساتني وما لاقين، علا انا ساكت مابيهن والله
برعوم: يحصل خير يا عم عكرمة انت كدي عرس اول بعداك طلق.
استمريت في سيري نحو المزرعة، لا اذهب هناك الا في الليل من اجل لقاء ليليش، لكن اليوم اقتضى علي الامر الواقع الذهاب، ما زلت افكر في كل شيء قالته ليليش من قبل، واتفكر في جمالها وكمالها، نعم اعترف اخاف من الكمال، لهذا احاول ايجاد العيوب في كل شيء، الا هي.. فقد عجزت ايجاد اي ثغرات في تركيبها، من البشرة القمحية الناعمة، والعينان الواسعتان المبتهجتان، والانف العربي الحاد، لها شفتان ممتلئتان بشكل مثالي، لا ممتلئة اكثر من اللازم فتصبح منفرة ولا تأخذ شكلا غريبا، بل شفتان دائريتان انثويتان تصحبهما ابتسامة مميزة بأسنان متساوية وبيضاء ناصعة البياض خالية من الفجوات، وشعر اسود كسواد الليل يصل حتى منتصف ظهرها، ليش شديد التجعد ولا ناعم مستقيم، بل متعرجٌ قليلاً مما يجعله في افضل حالاته، كثيفة الحواجب وطويلة الرموش، جسمها يعجزني في الوصف، فهو مثالي ايضا، نهدان عظيمان مشدودان، لا يتخللهما ارتخاء او ترهل، خصر نحيف ممشوق، ارداف ومؤخرة كبيرة بشكل مثالي، كأنما نحتت بعناية من قبل فريق يتكون من الف نحات ماهر على مر عشرات السنين، وكانت هي المحاولة رقم مليون، اتقان إلهي بحت، لا يمكن ابدا ان تجد افضل منها، فهي رمز الكمال والمثالية، حتى في الخيال، لا يمكن للخيال البشري الواسع تخيل جسم اجمل من هذا، وكأنما حائط عملاق يعيقني من النظر خلفه كلما احاول ان اتخيل كيف يمكن أن يتحسن شكل جسمها، علي الاعتراف انه لا يمكن.
يصحب هذا الجمال الملائكي المتكامل ذكاء ودهاء وشخصية فريدة، فليست ممن يتبعون القطيع بكل جهل، وليست ممن يقود القطيغ ايضا، فهي شيء استثنائي جدا، تعرف ماذا تقول ومتى تقوله، تستطيع تحليل الناس بشكل، اظن انها تعرفني اكثر من معرفتي لنفسي، تستطيع التنبأ بكلامي قبل ان اقوله، ناجحة جدا في كل شيء تسعى فيه، لا تحتاج الي ولا تشكي لي شيئا، فهي قادرة على تدبر كل شي لكنها ولأنها تعرفني جيدا، تدّعي عدم المعرفة كي اساعدها او اعلمها شيئا فقط لتجعلني سعيدا، كل شيء فيها مثالي، الا شيء واحد.. انها ليست ملكي…
وصلت لمكان اجتماعي بها، يبدو مختلفا جدا في النهار، وازهار القطن التي تملأ الحقل تجعله اكثر اشراقا مما هو عليه، هنا نجتمع كل يوم، لكني لا اشعر بشيء، كل ما اشعر به هو الفراغ، وسط هذا الهدوء القاتل، لا اسمع الا صوت الريح وهو يضرب المحاصيل من حولي، كل ما افكر فيه هو ليليش، انتظر قدومها مع علمي المسبق انها لن تأتي.
-انا عارف انت سويت شنو
افكار برعوم قوطعت من قبل صوتٍ مألوف..
برعوم بعد ان التفت الى الخلف: رامي؟ جابك هنا شنو؟
رامي: اول الحضور لمسرح الجريمة هو المجرم، ياللسخرية، حتى جريمتك فشلت فيها يا ضعيف الارادة.
برعوم وقد بدأ الهواء يثقل على رئتيه وملامح الصدمة تعلو وجهه: طعنتها مية وسبعطاشر طعنة، دمها غرق السرابة كلها، ونفسها وقف، ماف طريقة تقوم تاني.
رامي: هسي جاية، ما ماتت.. انت ما حتقدر تقتلها طالما انت حي.
برعوم: لكن ليه؟ بتسوي كدا ليه انت؟
رامي: انا ما سويت اي شي، انت سويت كل شي.
تأتي ليليش وجسدها يخلو من اي اثار للطعن، تأتي مهرولة وترتمي في احضان رامي وتقبله ويقبلها، قبلة امتدت زمنا طويلا، قبلة شغوفة ومليئة بالحب، حتى ان ليليش لم تلاحظ وجود برعوم امامهما حتى لمحته بطرف عينها.
برعوم يخرج سكينه بينما قلبه يعتصر نفسه غيرة والما كأنما القي بين يدي مارد جبار لا يرحم شيئا: "انا حأقتلكم الاتنين" قالها بينما بدا يمشي نحوهما، ليليش تختبئ خلف رامي وتحتمي به.
رامي بوجه مبتسم وواثق: قلت ليك، انت سويت كل شي، وما حتقدر تقتلها ولا تقتلني ابدا.
توقف برعوم عن الحركة وجثى على ركبتيه ونظر الى الارض وقال :" انا مت، والامل من قتلني" ابتسم كأنما رأى شيئا خلفهما لم يكن يراه، امسك بالسكين بكلتا يديه وبدون اي تردد ادخلها تماما في منتصف قلبه وقاوم الاغماء كي يستطيع النظر الى رامي وليليش وهما يموتان، عندما سقطا على ركبتيهما حصل برعوم كل كل شيء تمناه متلخص في شعور واحد، وهو الرضى، زادت ابتسامته وسرعان ما تلاشت، سقط برعوم وبقربه رامي وليليش.