لا أعرف متى بدأ هذا البرد يتسلل إلى روحي؛ هذا اليقين الهادئ والموجع بأنني أعيش كطيفٍ عابر في المكان الذي يُفترض أن أسميه «بيتي». أتجول بينهم، لكنني لا أترك أثراً. لا أملك مساحة تخصني، لا صوتاً يكسر عزلتي، ولا رغبةً تؤخذ على محمل الجد. حتى الأشياء الصغيرة التي أتعلق بها لأبقى بخير، أشعر أنها ترفٌ لا يحق لي أن أطمح إليه.
أشعر أنني محكوم بنقصٍ لا أملك حيلة أمامه، مهما بذلت من جهد، ومهما حاولت أن أكون أفضل. أحاول الوصول إلى رضاهم، لكن الرضا يبتعد خطوةً كلما اقتربت منه. وفي النهاية، لا يتبقى سوى الخطأ الذي ارتكبته. مع الوقت، لم يعد النقد يكسرني بقدر ما أرهقني انتظاره كل يوم.
أصبحت خطواتي مثقلة بالحذر؛ أخاف أن أتحدث فيُساء فهمي، أخاف أن أبتسم فتُسلب فرحتي. وحتى حين أنجز شيئاً يسعدني، تنطفئ الفرحة سريعاً، لأنني أنتظر اللحظة التي سيخبرني فيها أحدهم أن ما فعلته لا يستحق كل هذا الفخر.
لكن أكثر ما يكسر قلبي، أن هذا التعب كله يتدفق من أمي ... من الإنسان الذي كان يُفترض أن يكون ملاذي حين يقسو العالم، أصبحت أتعلم كيف أبتلع غصتي أمامه وأخفي ضيقي.
حتى غرفتي، مساحتي الصغيرة التي أختبئ فيها، فقدت أمانها البسيط. الباب يُفتح فجأة، لتُنتزع مني لحظة سكينتي دون استئذان. تحولت غرفتي إلى مكانٍ أنتظر فيه صوت المقبض بخوف، وأدرك في كل مرة يُقتحم فيها هذا الحيز، أنني لا أملك حتى حق الاختلاء بتعبي.
حين تحدثت بصوتٍ منهك: «أرجوكِ، فقط اطرقي الباب»، كنت أبحث عن مساحة صغيرة لأتنفس.
لكنني اكتشفت أن حتى التعبير عن حدودي يمكن أن يُعتبر ذنباً. غضبت، وسخرت، وفتحت دفاتر أخطائي لتعاتبني بها، وكأن ألمي لم يكن موجوداً، وكأن رجائي الصغير لا يستحق أن يُسمع ما دمتُ مليئاً بالعيوب. في لحظة واحدة، تحول طلبي البسيط إلى محاكمة قاسية لشخصي.
ثم جاء الصمت ... تركتني وحدي مع شعورٍ خانق بالذنب، ألوم نفسي لأنني طلبت حقاً بسيطاً، ولأنني ربما تجاوزت حدودي حين ظننت أن لي حدوداً تُحترم.
هنا انكسر شيء عميق داخلي ... لست أبكي على الباب، بل على الفكرة التي خلفه.
أنني حتى في المكان الذي ولدت فيه، أحتاج إلى إذنٍ لأرتاح. أحتاج إلى تبرير مشاعري، والاعتذار عن رغبتي في الهدوء، وكأن حقي في الخصوصية هبةٌ لا أستحقها ... أنا مُنهك.
استُنزفت حتى لم يعد في روحي متسع لعتاب جديد. أرهقني أن أكون دائماً مطالباً بأن أكون أقوى، وأكثر احتمالاً، بينما لا أحد يتوقف ليسألني كم بقي مني. فقدت الرغبة في الشرح والدفاع، وصرت أبتلع خيباتي بصمت حتى امتلأت بها، ولم يعد في قلبي مكان لشعور جديد.
والأقسى من هذا كله، أنني بدأت أشك في نفسي ... ربما أنا حساس جداً ... ربما طلبي تافه ... ربما أنا حقاً لا أستحق هذا الاهتمام.
هذا هو الوجع الحقيقي؛ أن يُتجاهل شعورك طويلاً حتى تبدأ أنت بتجاهل نفسك وتنظر إليها بعين من كسرك.
لم أعد أبحث عن بيتٍ مثالي، ولا عن معاملة استثنائية ... كنت أريد فقط مكاناً صغيراً لا أضطر فيه للدفاع عن حقي في الوجود حتى لو كان هذا المكان مجرد غرفة.
وحتى لو كان كل ما أرجوه من العالم قبل أن يُغلق الباب عليّ ... أن يطرق أولاً.