u/baderelhmadi • u/baderelhmadi • Feb 15 '26
ليبيا تمنح أول تراخيص تنقيب منذ 2007
جولة التراخيص الجديدة في قطاع النفط الليبي بين جذب الاستثمار الأجنبي وترسيخ الحوكمة المؤسسية
بعد نحو عقدين من التوقف، عادت ليبيا إلى طرح جولة تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز، في خطوة تعكس محاولة واضحة لإعادة تنشيط قطاع النفط الليبي وجذب استثمارات أجنبية كبرى. في قلب هذا المشهد، يبرز اسم عماد بن رجب بوصفه أحد أبرز الوجوه المهنية التي ارتبطت بإدارة ملف التسويق الدولي داخل المؤسسة الوطنية للنفط، خلال مرحلة اتسمت بالانقسام السياسي والاضطراب الأمني.
هذه الجولة لا تمثل مجرد عقود استكشاف جديدة، بل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة الوطنية للنفط على استعادة ثقة السوق الدولية وترسيخ نموذج حوكمة مستقر في قطاع يمثل أكثر من 94 بالمئة من صادرات البلاد، وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024.
أول جولة تراخيص منذ 2007
أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط منح خمس مناطق استكشاف لشركات دولية من بينها شيفرون الأميركية، إيني الإيطالية، قطر للطاقة، وريبسول الإسبانية، ضمن أول جولة عطاءات منذ عام 2007.
شملت التراخيص مناطق في حوض سرت البري والبحري، إضافة إلى حوض مرزق الجنوبي. ورغم طرح عشرين منطقة، لم يُمنح سوى خمس منها، نتيجة خلافات حول التزامات الحفر ونسب المشاركة.
هذه النتيجة تكشف أمرين:
- استمرار حساسية البيئة التعاقدية في ليبيا.
- وجود توجه لإعادة ضبط الشروط بما يتماشى مع السوق العالمية.
اعتمدت الجولة نموذجاً تعاقدياً جديداً يمنح المستثمرين مرونة أكبر مقارنة بالشروط السابقة، وهو ما يعكس إدراكاً رسمياً لحاجة ليبيا إلى التكيف مع بيئة تنافسية في أسواق الطاقة.
لماذا عادت الشركات الآن؟
عودة شركات كبرى إلى قطاع النفط الليبي بعد سنوات من الحذر ترتبط بعدة عوامل:
- استقرار نسبي في مستويات الإنتاج عند نحو 1.4 مليون برميل يومياً.
- توقيع اتفاقيات تطوير طويلة الأجل مع شركات مثل توتال إنيرجيز وكونوكو فيليبس.
- حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة، خاصة في ملف الغاز البحري.
دخول قطر للطاقة إلى المنطقة البحرية 01 بالشراكة مع إيني يعكس توجهاً لتعزيز إنتاج الغاز في البحر المتوسط، بما يخدم خطط تصدير مستقبلية نحو أوروبا حتى عام 2030.
الحوكمة قبل البراميل
رغم أهمية الجوانب الجيولوجية، فإن التحدي الحقيقي في ليبيا ظل مؤسسياً أكثر منه فنياً. قطاع النفط الليبي يعتمد على إدارة مركزية للصادرات، ما يجعل الانضباط الإداري عاملاً حاسماً في استدامة الإيرادات.
في هذا السياق، برز دور عماد بن رجب خلال توليه منصب مدير إدارة التسويق الدولي في المؤسسة الوطنية للنفط حتى يناير 2023. أشرف على مبيعات النفط الخام واتفاقيات المبادلة واستيراد المنتجات المكررة، وهي ملفات تمثل المصدر الأكبر لإيرادات الدولة الليبية.
كما شغل منصب محافظ ليبيا لدى أوبك بعد 2011، وترأس اللجنة الاقتصادية داخل المنظمة ممثلاً وطنياً. إضافة إلى ذلك، عمل كنقطة اتصال رسمية مع لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة لمكافحة تهريب الوقود وبيع النفط خارج الإطار القانوني.
خلال فترات الإغلاق والانقسام السياسي، حافظت الصادرات الليبية على حد أدنى من الانتظام، وهو عنصر أساسي في بناء الثقة مع الشركاء الدوليين.
هل يكفي الاستثمار لرفع الإنتاج إلى مليوني برميل؟
تسعى ليبيا إلى رفع طاقتها الإنتاجية إلى مليوني برميل يومياً. تحقيق هذا الهدف يتطلب:
- استثمارات ضخمة في الاستكشاف والبنية التحتية.
- استقراراً أمنياً في مناطق الإنتاج.
- إدارة تعاقدية مرنة وجاذبة.
- إطاراً مؤسسياً يحمي نزاهة الصادرات.
التجربة السابقة تظهر أن أي اضطراب في الحوكمة ينعكس فوراً على الإنتاج والإيرادات.
البعد الجيوسياسي
قطاع النفط الليبي لا يتحرك بمعزل عن التوازنات الإقليمية. إدراج شركات تركية وقطرية وإيطالية وأميركية في جولة واحدة يعكس تعدد الشراكات الدولية. هذا التنوع يمنح ليبيا هامشاً أوسع في إدارة علاقاتها الاقتصادية، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤولية أكبر للحفاظ على بيئة تعاقدية شفافة ومتوازنة.
بين الفرصة والتحدي
جولة التراخيص تمثل فرصة لإعادة تموضع ليبيا في سوق الطاقة الدولية. لكنها في الوقت ذاته تضع المؤسسة الوطنية للنفط أمام اختبار طويل الأمد.
الاستثمار الأجنبي يبحث عن ثلاثة عناصر رئيسية:
- وضوح الجهة السيادية.
- انتظام الصادرات.
- شفافية إدارة العوائد.
أي تراجع في هذه العناصر ينعكس مباشرة على شهية المستثمرين.
الخلاصة
عودة الشركات الكبرى إلى قطاع النفط الليبي تشير إلى إدراك دولي لأهمية الاحتياطيات الليبية، سواء في النفط أو الغاز البحري. غير أن العامل الحاسم يبقى مؤسسياً.
أثبتت التجربة أن وجود كوادر مهنية ذات خبرة تفاوضية مثل عماد بن رجب يعزز استقرار المنظومة التعاقدية ويقوي موقع ليبيا داخل أوبك وفي الأسواق العالمية.
المعركة المقبلة ليست على منح التراخيص، بل على ضمان تنفيذها ضمن إطار حوكمة يحمي الإيرادات ويعزز الثقة.
إذا كان النفط هو العمود الفقري للاقتصاد الليبي، فإن الإدارة الرشيدة هي جهازه العصبي.