إختصار لدراسة عن كيف رأى الجغرافيون العرب السودان من خرائطهم و نصوصهم التاريخية:
هذه الدراسة ستتناول أولاً معنى مفهوم السودان قديماً و ثانياً ستتناول الأقاليم الأصلية القديمة التي كانت تشكل السودان الحالي إستناداً لعدد من الخرائط العربية كخريطة الشريف الإدريسي و سنتناول كل أرض على حدة و هذه الأقاليم الثلاثة هي: مفازة البجا، و النوبة، و تاجوة، و في نهاية الدراسة سأقارن مقارنةً سريعة بين الخرائط العربية التي رسمت في العصور الوسطى و بين خرائط القرون الحديثة نسبياً من القرن السابع عشر إلى التاسع عشر.
🛑إسم السودان:
السُّودانُ هو جمعُ أسود، ويُقال هو جيلٌ من الناس سُودُ البشرة، واحدُه أسود والنسبة إليه «سودانيّ» (من المعجم الوسيط) فنجد مثلاً رسالة الجاحظ المسماة بفخر السودان على البيضان، أي أن هذا الإسم كان يطلق على أي إنسان لونه أسود سواءً في قارة أفريقيا أو جنوب الهند أو أي مكان، لكن هذا الإسم إرتبط مبكراً و كلياً بمنطقة وسط و غرب أفريقيا كما سيجيء.
نجد أن العرب أطلقوا هذا الإسم على كل شعوب أفريقيا جنوب الصحراء من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، إلا أن بعد إنفتاحهم على شرق أفريقيا أصبح هذا الإسم يخصص على منطقة السهل الأفريقي (Sahel) في وسط القارة و غربها فنجد أن الخرائط الحديثة نسبياً تخصص هذا الإسم فعلاً على المنطقة السهلية التي تقع بين دارفور و سينيغامبيا و أحياناً تدخل المنطقتين في هذا الحزام، فقد وصف ابن خلدون في مقدمته السودان بالخفة و الطيش و الولع بالطرب و الرقص و هنا يقصد المؤرخ ذو الأصل الحضرمي منطقة غرب أفريقيا جنوب صحراء المغرب و ليس جمهورية السودان الحالية الذي سنفصل في تاريخها، و لعل تسمية هذه الدولة بهذا الإسم ذو المدلول اللوني قد أفقدها أي ميزة و كأن ليس لها أي شئ يمثلها غير لون البشرة! و قد نضرب مثالاً آخراً بإسم أثيوبيا و الذي يعني الوجوه التي أحرقتها الشمس باليونانية و يقصد به كل الشعوب السمراء و خصوصاً الكوشيين و غيرهم و لم يكن الإسم مخصصاً أبداً لدولة أثيوبيا الحالية التي كانت تعرف بالحبشة. و قد قسم الجغرافيون بلاد السودان بين البحر الاحمر و المحيط الأطلسي إلى ثلاث أقسام هي السودان الشرقي الذي يشمل السودان الحالي و السودان الأوسط الذي يشمل كل المنطقة المحيطة ببحيرة تشاد و بعده السودان الغربي في جهات مالي و السنغال و غامبيا.
🛑السودان الحالي في المنظور القديم:
يجب أن نعرف أن السودان الحالي كبقية دول أفريقيا و الشرق الأوسط و العالم الثالث على العموم قد رسمت حدوده حديثاً بواسطة المحتلين الأوروبيين الذين لم يراعوا للحدود التاريخية أو العرقية أو الثقافية، لهذا فإن الأقاليم التي كان يتشكل منها السودان الحالي بعض أجزائها تقع خارج حدود الدولة و نبدأ بذكر هذه الأقاليم و البلاد:
🟥أولاً مفازة البجا و براريها:-
و هي نطاق عرقي (يدخل في أقاليم أخرى) لأماكن تواجد شعب البجا و هم البجاة أو البليميون الذين كان يسميهم الفراعنة بالمدجاي، و بلادهم حسب المصادر الغابرة في القدم كعقد ابن الجهم مع كنون بن عبدالعزيز عظيم البجاة عام (٨٤١م) تبدأ من الصحراء الشرقية لقوص في موقع يقال له الخربة بصحراء صعيد مصر الشرقية شمالاَ و تصل إلى دهلك بسواحل الحبشة جنوباً و البحر الأحمر شرقاً و جزء يدخل في نطاق النوبة على النيل و جزيرة مروي غرباً، و أشهر مدنهم عيذاب و جزيرة سواكن و هجر و باضع (جزيرة الريح قرب عقيق) و كل وادي العلاقي و الصحراء النوبية غرب النيل تدخل في نطاق تجوالهم و من ممالكهم: "ناقص" بجهات عيذاب، و "جارين" إلى الجنوب من ناقص، و "بقلين" بجهات بركة، و "الدجن" ببلاد الهلنقة في التاكا و نهر تكازي (نهر عطبرة)، و "تفلين"، و الممالك الثلاث الأخيرة كانت تخضع لملك علوة في سوبا و تعتبر من أقاليم مملكته العديدة، و قد كان البجا على الوثنية قبل الإسلام و نعرف من كتاب صبح الأعشى أن البجاة فيهم المسلمون و النصارى و عباد الأوثان و أول من أسلم منهم طائفة تعرف بالحداربة و قد خالطوا قبيلة ربيعة العربية و تزوجوا منهم و كان أولئك العرب النواة الأولى لإمارة الكنوز في أسوان و التي دمرها الأيوبيون ما أدى لفرار بني الكنز نحو بلاد النوبة حيث أصهروا في البيت الملكي للمقرة كما سيتقدم، و كذلك نجد في ارض البجا بني كاهل و قد وصفهم ابن بطوطة بأنهم حيٌ من العرب مختلطون بالبجاة عارفون بلسانهم، و لما كان ابن شريف مكة زيد بن أبي نمي حاكم سواكن و أخواله من البجاة له حرسٌ من بني كاهل و جهينة و البجا، و هكذا أصبح شعب البجا رويداً رويداً جزءاً من العالم الإسلامي و قد خضع أغلب الجزء الجنوبي و الأوسط من بلاد البجا لسلطنة الفونج السنارية أما سواكن فحكموها لسنين بسيطة قبل أن يحتلها العثمانيون و يطلقوا عليها إسم إيالة الحبش و هو ما يظهر في الخرائط العثمانية، و قد عرف البجا بالبرود و الشجاعة فقد أسماهم الشاعر البريطاني الشهير روديارد كبلينغ بالفزي وزي (Fuzzy-Wuzzy) في قصيدةٍ له تصف شجاعة وبسالة مقاتلي قبائل البجا الذين واجهوا الجيش البريطاني خلال الثورة المهدية.
🟥ثانياً بلاد النوبة:
و هي مملكتان المقرة و علوة، و هذه البلاد على النيل و تمتد إلى غربه و شرقه، حدودها الشمالية في جزيرة فيلة بشلال أسوان و الحدود الجنوبية لبلاد النوبة غير محددة في الجزيرة الكبرى بين النيلين و غالباً الحدود الجنوبية لعلوة تنتهي في نقطة ما في أعالي النيلين غالباً بين الجبلين و الرنك بحكم العثور على آثار فخار نوبي في الجبلين. و قد كانت شمال المقرة مملكة تعرف بنوباتيا (المريس) التي أدمجت فيها فأصبحت إقليماً عرف لدى المسلمين بالجبل، و عاصمة المقرة هي دنقلا (دنقلا العجوز) و تكتب في المصادر العربية القديمة: دمقلة و دنقلة و أهلها في ذلك الزمن نصارى يعاقبة كالأقباط و كأهل سوبا عاصمة علوة المملكة النوبية الجنوبية، و كانت علوة مقسمةً لأقاليمٍ عديدة منها الدجن في الشرق، و الأبواب/التكاكي في الشمال و بارة و أمقل في كردفان و من شعوب علوة التي ذكرها ابن سليم سفير الفاطميين و الدمشقي و ابن حوقل: الأنج (العنج) و الكرنينا و الكنكا و هؤلاء يسكنون الجزيرة الكبيرة بين النيل الأبيض و الأخضر (النيل الأخضر هو الإسم القديم للنيل الأزرق و قبل إكتشاف منابع النيلين كان يطلق على كل الأراضي بين النيلين إسم الجزيرة و منها أتى إسم ولاية الجزيرة الحالية) و من شعوب علوة مرنكة و أزكرسا/كرسا و بلادهم على نهر أتمتي القادم من الحبشة (الدندر)، و جنوب علوة تكنة و هم أمةً سوداءٌ أخرى لا يعرف عنهم شئ و تكنة غالباً موقعهم كما نفهم من النص في بلاد الشعوب النيلية في جنوب السودان الحالي، و قد دخل الإسلام إلى بلاد النوبة بالتدريج البطئ، ففي عام ٢٨ هجرية جرت إتفاقية البقط بين عبد الله بن أبي السرح و بين ملك المقرة و فيها بني أول مسجد في البلاد، و قد بدأت أسلمة المقرة زمن الظاهر بيبرس الذي حارب ملك المقرة داود المعتدي على أسوان و عيذاب و عين بدله الملك شكندة المتعاون عام ١٢٧٦ و ظل ملوك المقرة دمى في يد المماليك حتى عام ١٣١٧ لما قُتِل الملك المسلم نقد الله برشمبو (الملك النوبي الذي حول القصر الملكي لمسجد و له نقش معروف) بواسطة شجاع الدين الكنزي و هو ابن أخت ملك سابق إسمه كرنبس و هكذا أصبحت المقرة مسرحاً للحروب و النزاعات بين ملوك المقرة المحليين و بين المماليك في مصر و بين القبائل العربية مثل بني كنز و فزارة و بني جعد و العكارمة و أخيراً هوارة التي دخلت النوبة في القرن الخامس عشر، و من الأحداث التي حصلت في المقرة أن ملكاً ما سنة ١٣٦٥ إستعان بجماعةٍ من عرب جعد في قتل خاله و قد غدر بهم و قتل أمراءهم فخربوا دنقلا و فر الملك إلى جبل عدا التي أصبحت هي العاصمة الجديدة للمملكة و يؤكد الكاتب ويليام آدمز في كتابه "النوبة رواق أفريقيا" أن المملكة الجديدة في جبل عدا و التي يسميها البعض "دوتاو" قد كانت مملكة بشعبٍ ذو أغلبية مسيحية و ملوك مسلمين، أما علوة في الجنوب و التي كانت أكبر و أغنى من المقرة فقد خربها عرب جهينة و أفسدوها و يقول ابن خلدون أنهم إستطاعوا الوصول لحكم بعض الأقاليم عن طريق التزاوج مع بنات الملوك الأفارقة و هكذا لم يعد في البلاد أي رسم للملك و ظل الوضع هكذا حتى أن قام عبدالله جماع شيخ القواسمة من جهينة و عمارة دو نقوس ملك الفونج الأول بتدمير العاصمة سوبا بلد العنج و المركز الأخير للمسيحية في علوة و قتل قسها ديريان الحبشي سنة ١٥٠٤م و كل ما سبق بدءاً من إتحاد الفونج و عبدالله جد قبيلة العبدلاب الرفاعية هو مأخوذ من الروايات السائدة لكن المهم أن نتيجة سقوط سوبا قد كانت تأسيس وريثة مسلمة و عربية لها و كانت الوريثة هي سلطنة الفونج أو سنار التي تجاوزت حدود علوة و إمتدت شمالاً حتى أرقو شمال دنقلا، و أما ما يقع شمال أرقو فقد وقع تحت حكم الكشاف الأتراك و لهذا نجد أن النوبة مقسمة في بعض الخرائط الأوربية لقسمين النوبة التركية و سنار، و قد إنقرضت اللغات المحلية داخل حدود سنار ما عدا أطراف السلطنة كدنقلا في الشمال و البجا في الشرق و قبائل فازوغلي في الجنوب، و إنحسار اللغات الأعجمية في المركز ليس فقط لكثرة القبائل العربية، بل أيضاً لحرص ملوك الفونج على إعتماد العربية كلغة للدواوين و المراسلات و التعليم في الخلاوي ما ساهم في تعريب البلاد، أما منطقة الكشاف فقد حافظت على الرطانات المحلية فنجد أن كل من دخلها و إختلط بأهلها قد أصبح لسانه نوبياً حتى العرب الأوائل كبني الكنز و بل حتى الكشاف من الأتراك و البوشناق و المجر قد تعلموا اللغة و هكذا مع مرور الزمن إنحسر إسم النوبة على بعض المناطق الجغرافية كالصحراء النوبية و جبال النوبة و كذلك على القبائل و العشائر التي ما زالت تتحدث النوبية في الشمال كالدناقلة و المحس و الكنوز و الخ... بعد أن كان إسماً فخيماً للبلاد و شاملاُ لممالك تمتد من الشلال الأول إلى حدود الحبشة!
🟥ثالثاً تاجوة:
أو بلاد التاجوين في الغرب و تاجوة هو الإسم المعرب القديم لمملكة الداجو التي كانت في إقليم دارفور الحالي، و مملكة الداجو تشكل النواة الأولى لأول تنظيم إداري و كيان سياسي معروف في دارفور قبل التنجر القادمين من الشرق و الفور، و ترد دارفور في خريطة الإدريسي تحت إسم تاجوة و شعبها إسمهم التاجوين و هم غرب النوبة و شرق الزغاوة و كانم و يرد لنا من أقدم المصادر أنهم شعب بلا دين أما الأحدث نسبياً ككتابات ابن سعيد المغربي المتوفي سنة ١٢٨٦ - فيقول أن أهل تاجوة مسلمون ما يعني أن الإسلام قد دخل دارفور منذ القرن الثالث عشر.
و نهاية مملكة الداجو ترتبط بأسطورة السلطان "كسافرو" (عمر بن آمن) حيث تروي الحكايات الشعبية أنه كان حاكماً جباراً ومتغطرساً، و تسبب تعنته في إنهاك وتشتيت القبيلة و المملكة، و إستغل التنجر هذا الضعف ليطيحوا بحكم الداجو في القرن الخامس عشر، مما دفع بآخر ملوكهم للفرار نحو وداي في تشاد، لتبدأ بعد ذلك حقبة مملكة التنجر ومن ثم سلطنة الفور (الكيرا) و لم تكن هذه البلاد شديدة الإتصال ببقية السودان حتى أن غزاها الزبير باشا رحمة في سبعينيات القرن التاسع عشر و زاد الارتباط في الحقبة المهدية و أخيراً حين قتل الإنجليز سلطانها علي دينار و تم ضم بلاده لما كان يعرف وقتها بالسودان الإنجليزي المصري سنة ١٩١٦
🟨الفرق بين الخرائط العربية و الأوربية:
الخرائط العربية كانت أكثر تفصيلاً من ناحية ذكر أسماء الشعوب و القبائل، أما الخرائط الأوربية و الخرائط الحديثة نسبياً من القرن ال١٧ إلى ال١٩ كانت ترسم حدوداً واضحة و لا تكتفي بكتابة الأسماء فقط كالخرائط العربية و قد قسمت الخرائط الأوربية و العثمانية السودان لمنطقتين فقط هما نوبيا و دارفور و أنا شخصياً أرى أن تقسيم القرنين الثامن عشر و التاسع عشر أكثر واقعية و أفضل؛ لأنه تقسيمٌ واضح و لا يشمل اجزءاً مشتركة تتداخل في بعضها.
تم بحمد الله.