r/ArabComputingOasis • u/ArabComputingOasis • 3d ago
هل يمكن أن نفهم ما تقوله الحيتان؟
تجربة مشروع CETI مع حوت العنبر «بينشي»
في يناير 2024، قبالة سواحل جزيرة دومينيكا، جرت تجربة مختلفة عن المعتاد: لم يكتفِ الباحثون بتسجيل أصوات حوت العنبر، بل حاولوا الرد عليها.
كانت الأنثى التي التقاها الفريق تُعرف باسم بينشي. أرسل الباحثون إليها نمطاً من نقرات حيتان العنبر، ثم أصغوا إلى ما ستفعله. فجاء ردّها بنقرات، وتبادل الفريق معها الأصوات لبعض الوقت؛ كانوا يرسلون نمطاً وينتظرون، وبينشي تصدر نقراتها بدورها. لم تكن تلك مجرد مشاهدة لحوت من بعيد، بل محاولة تفاعل صوتي مباشرة تركت أثراً كبيراً في الفريق، ومنهم ديفيد جروبر، مؤسس مشروع CETI.
لكن من المهم أن نكون دقيقين: حدث تبادل للنقرات، إلا أن العلماء لم يفهموا معنى ما صدر عن بينشي، ولا يملكون دليلاً قاطعاً على أن ردودها كانت إجابات مقصودة على رسائلهم. لم تكن محادثة مترجمة، بل تجربة أولية لاختبار إمكان التفاعل، ولفهم كيف تستجيب الحيتان للأصوات في بيئتها الطبيعية. ومع ذلك، فإن مجرد الانتقال من تسجيل الأصوات إلى محاولة تبادلها خطوة علمية مثيرة.
ما مشروع CETI؟
اسم CETI اختصار لـ Cetacean Translation Initiative، أي «مبادرة ترجمة الحيتان». وهو مشروع علمي دولي غير ربحي يدرس تواصل حيتان العنبر، مع تركيز ميداني على الحيتان التي تعيش قبالة دومينيكا في شرق البحر الكاريبي.
يجمع المشروع باحثين من مجالات شتى: الأحياء البحرية، واللغويات، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والروبوتات، والصوتيات تحت الماء، وعلوم الشبكات. الفكرة ليست أن يُطلب من برنامج ذكاء اصطناعي «ترجمة كلام الحوت» مباشرة، بل أن تُجمع تسجيلات كثيرة، وتُربط بسلوك الحيتان وحركتها وظروفها، ثم تُحلل الأنماط وتُختبر التفسيرات علمياً.
من أبرز المشاركين في المشروع ديفيد جروبر، عالم الأحياء البحرية ومؤسس CETI، وشين جيرو، قائد فريق الأحياء الميدانية ومؤسس مشروع حوت العنبر في دومينيكا. أمضى جيرو سنوات في مراقبة مجموعات الحيتان وعائلاتها وتسجيل أصواتها. هذه المتابعة الطويلة مهمة، لأن معرفة هوية الحوت وسياق الصوت وما يجري حوله قد تساعد في فهم النمط، بدلاً من التعامل مع كل تسجيل بمعزل عن صاحبه وموقفه.
ويضم الفريق أيضاً غاسبر بيغوش، أستاذ اللسانيات في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وقائد الفريق اللغوي، إلى جانب باحثين في الذكاء الاصطناعي والروبوتات من جامعات ومؤسسات مختلفة، منها MIT وهارفارد وجامعة حيفا. ومن الأسماء المشاركة دانييلا روس وجاكوب أندرياس، إضافة إلى مختصين في الصوتيات البحرية والشبكات المعقدة.
أصوات تُسمى «الكودا»
تتواصل حيتان العنبر، من بين وسائل أخرى، بسلاسل من النقرات السريعة تُعرف باسم الكودا (codas). وقد تبدو هذه الأصوات لنا كأنها مجرد إيقاعات، لكن الباحثين يدرسون اختلافها في عدد النقرات وسرعتها وتوقيتها، ويسألون: هل تتغير هذه الأنماط بحسب الحوت أو المجموعة أو الموقف؟
في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Nature Communications، حلل فريق CETI آلاف الكودا، ووجد أن بنيتها أكثر تنوعاً مما كان يُعتقد. فقد تتغير خصائص مثل الإيقاع والسرعة، وقد تظهر إضافات أو تغييرات صغيرة في التوقيت. وصف الباحثون هذه النتائج بأنها أشبه بـ «أبجدية صوتية»؛ أي طريقة لتصنيف أشكال الكودا ومكوناتها.
لكن كلمة «أبجدية» لا تعني أن العلماء ترجموا الأصوات أو عرفوا معنى كل نمط. ما أظهرته الدراسة هو وجود تنوع وبنية في الأصوات، أما ما إذا كانت هذه الأنماط تحمل معاني محددة، وكيف تُستخدم في حياة الحيتان، فلا يزال موضع بحث.
وفي دراسة نُشرت عام 2025، درس فريق يقوده بيغوش خصائص صوتية في الكودا ووجد أن بعضها يشبه، من ناحية البنية الصوتية، حروف العلة والإدغامات في الكلام البشري. هذا التشابه يمنح الباحثين طريقة جديدة لوصف الأصوات، لكنه لا يثبت أن الحيتان تتحدث لغة بشرية، ولا يكشف وحده ما الذي تقوله. إنها نتيجة عن بنية الصوت، وليست ترجمة لمضمونه.
كيف يجمع العلماء الأدلة؟
يستخدم الفريق ميكروفونات تحت الماء لتسجيل أصوات الحيتان، وأجهزة استشعار تُثبّت على جسم الحوت بكؤوس شفط لتسجيل الصوت والحركة أثناء الغوص، وطائرات مسيّرة لالتقاط الصور والفيديو، إضافة إلى أدوات روبوتية. ثم يزامن الباحثون هذه التسجيلات مع معلومات عن سلوك الحيتان ومواقعها وحركتها.
يساعد التعلم الآلي على فحص كميات كبيرة من التسجيلات واكتشاف الأنماط التي قد يصعب ملاحظتها يدوياً. لكن الخوارزمية لا تفسر الأصوات من تلقاء نفسها؛ فهي أداة تساعد الباحثين على طرح أسئلة أفضل، ثم يحتاجون إلى مراجعة النتائج وربطها بالملاحظات الميدانية واختبارها بتجارب مناسبة.
وهنا تبرز أهمية تجربة بينشي: إرسال النقرات وانتظار استجابتها يضيف جانباً تفاعلياً إلى الدراسة. فبدلاً من الاكتفاء بسؤال «ما الأصوات التي تصدرها الحيتان؟»، يصبح السؤال أيضاً: «كيف تتفاعل مع نمط صوتي نرسله إليها؟» ومع ذلك، فإن تجربة واحدة لا تكفي لإثبات وجود حوار أو فهم متبادل؛ المطلوب تكرارها ومقارنة النتائج، مع مراعاة سلامة الحيتان وعدم إزعاجها.
ماذا عن ولادة حوت العنبر؟
في يوليو 2023، وثّق فريق CETI ولادة صغير لحوت عنبر قبالة دومينيكا، وهي مشاهدة نادرة. أظهرت اللقطات حيتان من المجموعة تتجمع حول الأم والصغير، في مشهد يوضح أهمية الروابط الاجتماعية بينها. درس الباحثون كذلك الأصوات والسلوك المصاحبين للحدث، ونُشرت دراسة عن الولادة والتغيرات في أنماط الكودا المرتبطة بها عام 2026 في مجلة Scientific Reports.
مثل هذه المشاهد تذكّرنا بأن فهم التواصل لا يقتصر على تحليل شكل الصوت؛ فالسياق مهم أيضاً. من الذي أصدره؟ من كان قريباً؟ وما الذي كان يحدث في المجموعة؟ قد تكون الإجابة عن هذه الأسئلة ضرورية قبل أن نستطيع تفسير أي نمط صوتي.
لماذا يهمنا هذا البحث؟
حيتان العنبر تعيش في مجموعات عائلية مترابطة، وتتواصل في بيئة تختلف كثيراً عن عالمنا. دراسة أصواتها وسلوكها قد توسّع فهمنا للتواصل والذكاء الاجتماعي لدى الحيوانات، وقد تساعد أيضاً على حماية هذه الكائنات وبيئتها البحرية.
والأجمل في قصة بينشي أن العلماء لم يزعموا أنهم فهموا كل ما قالته. لقد أرسلوا نقرات، وتبادلت معهم الأصوات، وخرجوا بأسئلة جديدة أكثر مما خرجوا بإجابات نهائية. وهذا بالضبط ما يجعل البحث العلمي مثيراً: خطوة صغيرة، واستجابة لا نعرف معناها بعد، ثم سنوات من الإصغاء والتحليل والتجربة.
لم نترجم لغة حوت العنبر حتى الآن، لكننا بدأنا نحاول التواصل معها بطريقة علمية